في معادلةٍ رياضيةٍ بسيطة، ولكنها موجعة، يمكن اختزال مأساة أمةٍ بأكملها: عدد الإسرائيليين الذين قُتلوا منذ السابع من أكتوبر، سواء في أحداث ذلك اليوم، أو في المعارك البرية في قطاع غزة ولبنان، أو نتيجة القصف الإيراني واللبناني، أو حتى في العمليات الفردية من إطلاق نار ودهس، هذا العدد مجتمعاً يكاد يساوي عدد الشهداء الفلسطينيين الذين ارتقوا في يومين فقط من القصف في ذروته على قطاع غزة.
هذه ليست مقارنةً لأرواح البشر، فكل نفسٍ بشريةٍ هي عالمٌ بذاته، ولكنها محاولةٌ لقراءة المشهد بعين التجريد البارد الذي يفرضه واقع الحال. إنها صورةٌ قاتمةٌ لحجم الخسائر، وللاختلال الهائل في ميزان القوى والتأثير، بل والأهم من ذلك، إنها مرآةٌ لاختلالٍ في ميزان الوعي.
عشرات الشهداء من المسلمين يرتقون يومياً في وقتٍ يُفترض فيه أن هناك تفاهماً لوقف إطلاق النار. يرتقون بصمت، تحت الأنقاض، وفي المستشفيات، وعلى الحواجز، فلا يلتفت إليهم أحد ولا يهتز لهم وجدان. في المقابل، نترقب خبر مقتل مستوطنٍ أو جنديٍ واحدٍ كأنه العيد، وكأن هذا القتل الفردي سيهز أركان الكيان، وكأن إسرائيل التي نعرفها ستنهار وتزول باغتيال فردٍ من جنودها. نتشبث بأي خبرٍ وكأنه طوق نجاةٍ من حقيقة الوجع الكبير.
عجيبةٌ هي الحالة العربية الإسلامية التي وصلنا إليها! بتنا نعطي قيمةً لدماء أعدائنا أكثر من دمائنا، ونعتبر أن مجرد بقائنا على قيد الحياة بعد مجزرةٍ هو انتصار. لقد تحول مفهوم الانتصار لدينا من بناء الأوطان وصناعة المستقبل إلى مجرد صمودٍ سلبي، إلى "نحن لم نُقتل بعد، إذن نحن المنتصرون".
هذا الخلل الجذري في المفاهيم يقودنا إلى حافة الهاوية. إن إعادة تعريف النصر هي معركتنا الحقيقية اليوم. سوف ننتصر، ولكن ليس بهذا المنطق المقلوب.
سوف ننتصر فقط عندما نعطي قيمةً حقيقيةً لأرواحنا. عندما يصبح المواطن العربي والمسلم هو الثروة الحقيقية التي يجب الحفاظ عليها، وليس مجرد رقمٍ يُضاف إلى قائمة الشهداء ليُحتج به في الخطابات.
سوف ننتصر عندما نعترف بالهزيمة والفشل. لا يمكن بناء مستقبلٍ على أكوامٍ من الجثث ونحن نردد "نحن بخير ونحن الأقوى". الاعتراف بالهزيمة في معركةٍ ما هو بداية الطريق لتصحيح المسار، وليس نهاية العالم.
سوف ننتصر عندما تصبح مفاهيم النصر لدينا واقعية. النصر ليس مستحيلاً، لكنه ليس خرافةً تتحقق بالتمني. هو هدفٌ استراتيجيٌ طويل المدى، يُبنى بالعلم والاقتصاد والوحدة، وليس فقط بالرصاصة التي تخترق جندياً هنا أو هناك.
سوف ننتصر عندما ندرك الحجم الحقيقي لقدراتنا. لا أن تُبنى قراراتنا على أوهام العظمة أو على "الإحتمالات" التي قد تتحقق، بل على رؤيةٍ واضحةٍ للإمكانيات ونقاط القوة والضعف.
سوف ننتصر عندما نتعلم من أخطائنا ونستخلص الدروس. من لا يتعلم من الماضي يُعاد عليه. كل قطرة دمٍ راحت هدراً في حروبٍ خاسرةٍ أو صراعاتٍ جانبيةٍ يجب أن تكون درساً يقودنا نحو ترشيد الدم واستثماره في المعركة الحقيقية.
سوف ننتصر عندما نعرف كيف نتوحد. عندما ندرك أن العدو الحقيقي يتربص بنا جميعاً، ولا نترك ثغوراً للفتنة تتسع فتلتهم ما تبقى من قوة. سوف ننتصر عندما نجتمع على هدفٍ واحدٍ ونسير في اتجاهٍ واحد، فتتضاعف قوتنا بدلاً من أن تتشتت في صراعاتٍ هامشية.
أخيراً، وليس آخراً: الانتصارُ هو أن تردع عدوك عن مهاجمتك. أن تبني قوةً من الردع تجعل العدو يفكر ألف مرة قبل أن يقترف مجزرةً بحق أطفالك. أما أن يردعك هو، وأن تخشى المواجهة خوفاً من الخسارة، فهذه هي الهزيمة بعينها، حتى لو بقيت على قيد الحياة.
الخلاصة، ما نحتاج إليه ليس "نصراً" إعلامياً عابراً يقتات على جثث الأبطال، بل مشروع نهضةٍ حقيقي يعيد ترتيب أولوياتنا: فـ"قيمة الحياة" تسبق "قيمة الاستشهاد"، والاتحاد يصنع القوة التي تغيبها الفتنة. النصر الحقيقي يبدأ عندما نجرؤ على رؤية أنفسنا كما نحن، لا كما نحلم أن نكون.
واختم بما قاله شاعرنا الكبير محمود درويش: "تمضي الحرب إلى جهة القيلولة. ويمضي المحاربون إلى صديقاتهم متعبين وخائفين على كلامهم من سوء التفسير: انتصرنا لأننا لم نمت. وانتصر الأعداء لأنهم لم يموتوا. أمَّا الهزيمة فإنها لفظة يتيمة".


