: آخر تحديث

تأملات في الخيانة والتطرف في الكويت

2
3
3

ليس رقمًا بسيطًا، بل رقمٌ مفزع؛ ذلك الذي حمله بيان وزارة الداخلية الكويتية عن خليةٍ إرهابيةٍ تضم أربعة عشر مواطنًا كويتيًا وفردين لبنانيين، جميعهم يستهدفون الكويت وسيادتها عبر تبنّي مخطط "حزب الله" الإرهابي، ذراع نظام الولي الفقيه في لبنان.

في العام 2016، نشرت صحيفةٌ كويتيةٌ تقريراً يفيد ب "وجود ثلاثة آلاف شخص بين متعاطفين ومتبنّين أفكار حزب الله اللبناني، أغلبيتهم من مواطنين، ومن بينهم أصحاب مناصب عليا في الحكومة، إضافةً إلى أكاديميين وأطباء ومهندسين وإعلاميين".

ومن المؤكد أن هذه المعلومات لم تأتِ نتيجة تخمينٍ أو تكهّن، بل استندت إلى مصادر رسمية، جرى بموجبها تحديد مهن ومواقع المنتمين إلى تنظيمٍ إرهابي.

كان الرقم في تلك السنة نحو 13 ألف فرد، ثم أخذ في التزايد لاحقًا، حتى ظهرت "خلية العبدلي"، إلى جانب مجاميع دينية سنية متطرفة؛ اختار بعضها الالتحاق بجماعة "طالبان"، وأخرى ب "جبهة النصرة" وغيرها من التنظيمات الإرهابية.

فماذا يعني هذا التمدد الإرهابي، الذي يُعد نواة الفكر المتطرف بشقّيه السني والشيعي؟

حين ينخرط أصحاب مهن مختلفة في عملياتٍ ومخططاتٍ إرهابيةٍ لا لبس فيها، فإن ذلك يكشف عن وجود ولاءاتٍ وانتماءاتٍ دينيةٍ وفكريةٍ متطرفة، مرتبطة بجماعاتٍ إقليميةٍ نجحت في استقطاب عقولٍ ناضجةٍ وأخرى متهورة، وضمائر انحرفت عن الشريعة الإسلامية وقيم الولاء والانتماء.

لسنا هنا بصدد مناقشة اليقظة الأمنية؛ فقد أثبتت الوقائع، وآخرها ما كُشف مؤخرًا، وجود يقظةٍ استباقيةٍ عالية، غير أن هذه اليقظة لا يمكن تحميلها ما يفوق طاقتها من مسؤولياتٍ اجتماعيةٍ وفكريةٍ وسياسيةٍ وتربوية.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مراجعةٍ دقيقةٍ للمناهج الدراسية، والبيئة التعليمية والتربوية، فضلًا عن البيئة المهنية بمختلف مستوياتها؛ إذ نحن أمام ضرورةٍ ملحّةٍ لتحليل بنية الخطاب التعليمي والديني، ومدى جديته في تجفيف منابع الفكر المتطرف، واقتلاع جذوره من المجتمع والدولة.

ثمة علاقةٌ مباشرةٌ بين ما يجري في إيران، حيث يصرّ نظام الملالي على تصدير الثورة، وبين نماذج أخرى في أفغانستان والعراق ولبنان واليمن، حيث تتغذى جماعاتٌ دينيةٌ متطرفةٌ على الإرهاب وتعيد إنتاجه.

وتصلنا مؤشراتٌ عن انشقاقاتٍ داخل البيتين الشيعي والسني، تتكاثر في ظلها الأفكار الإرهابية والمخططات الشيطانية التي تتخفى تحت شعارات الدين والجهاد.

السلاح الإعلامي لا يقل أهميةً عن اليقظة الأمنية؛ بل إن الحملات التوعوية قادرةٌ على كشف هشاشة بعض العقول، وتعري خلايا نائمة، وأخرى تترقب لحظة الانقضاض، سواء بالتنفيذ المباشر أو عبر اختراق شرائح اجتماعية وبث سموم التخريب والعبث بأمن الدولة والمجتمع.

وبالرغم من تعدد البرامج الدينية والتعليمية، وما يُعرف ببرامج الوسطية "المناصحة"، فإنها لم تنجح بما يكفي في ترسيخ العقلانية، ولا في تطويق النزعات العدائية والإرهابية ضمن منظور الأمن القومي.

إن الأمن القومي لا يُختزل في يقظة الأجهزة الأمنية وحدها، مهما بلغت كفاءتها، بل يقوم على منظومةٍ متكاملةٍ يتداخل فيها الأمن الفكري والاجتماعي بوصفهما خط الدفاع الأول والأعمق أثرًا.

فالدولة التي تُهمل تحصين وعي مواطنيها، وتترك فراغًا في خطابها التعليمي والديني والإعلامي، إنما تفتح أبوابها لرياح التطرف مهما أغلقت نوافذها الأمنية.

وترسيخ الأمن القومي يبدأ من بناء عقلٍ نقدي، ووعيٍ وطنيٍ راسخ، وانتماءٍ لا يتزعزع أمام إغراءات الأيديولوجيا العابرة للحدود.

ويتطلب ذلك مراجعاتٍ جادةً للمناهج، وضبطًا للخطاب الديني، ومسؤوليةً إعلاميةً واعية، وشراكةً مجتمعيةً تدرك أن المعركة مع الإرهاب ليست أمنيةً فقط، بل هي معركة وعيٍ وهويةٍ ومصير.

فإما أن تنتصر الدولة بعقل مجتمعها، أو تُستنزف بثغراته.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.