: آخر تحديث

المؤامراتية.. وقت الحرب

4
5
4

في وقت الحرب يكثر الضجيج وتختلط الأصوات، ويصبح تفسير ما يجري سوقًا مفتوحة لكل أنواع السرديات، أكثرها رواجًا تلك التي تقدم نفسها في هيئة تحليل عميق، بينما هي في حقيقتها رواية جاهزة اسمها "المؤامرة الكبرى"، مع كلمات كبيرة من نوع "الفوضى الخلاقة" و"إعادة رسم الخرائط" و"السيناريو المعد سلفًا"، التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها مفاتيح لفهم ما يحدث، لكنها في كثير من الأحيان ليست إلا طريقة للهروب من تسمية الأشياء بأسمائها.

هذا النوع من الخطابات يملك جاذبية خاصة في أوقات القلق.. فعندما تتكاثر الأزمات وتضيق الخيارات يبحث الناس عن تفسير شامل يمنحهم شعورًا بالاطمئنان، وربما يخلصهم من تأنيب الضمير أو المسؤولية، ففكرة أن كل ما يحدث مخطط له سلفًا تمنح العقل راحة مؤقتة؛ أن العالم قصة مفهومة ذات حبكة واحدة، وقوى خفية تدير المسرح من خلف الستار.

الشرق الأوسط ليس لغزًا ميتافيزيقيًا تديره كائنات غامضة، ومنطقتنا ساحة صراع مفتوحة بين مشاريع واضحة ومصالح متعارضة، فهناك مشروع إيراني توسعي تمدد خلال عقود عبر ميليشيات ونفوذ عابر للحدود، وهناك إسرائيل التي تتحرك وفق منطق فرض الأمر الواقع وإشعال الحرائق، وهناك قوى دولية تبحث عن مصالحها في الطاقة والممرات البحرية والنفوذ الجيوسياسي، هذه حقائق سياسية يمكن قراءتها وتحليلها دون الحاجة إلى تعليق كل شيء على شماعة المؤامرة التاريخية.

المؤامراتية في أزمنة الحرب لا تضلل الجمهور فحسب، بل تعطل التفكير السياسي أيضًا، فعندما يصبح كل حدث جزءًا من خطة كونية محكمة يفقد الفاعلون مسؤوليتهم عن أفعالهم، وتتحول الأخطاء إلى قدر، ويصبح الفشل نتيجة مخطط خارجي لا يمكن مقاومته، حتى تتحول السياسة إلى قدر محتوم بدل أن تكون مجالًا للفعل والتأثير. وهنا يجب أن نحذر من أن بعض هذه التحليلات -ربما بحسن نية- تروّج لدعاية العدو، وتبالغ في تمجيد قدراته وذكائه في قراءة الواقع تحت غطاء التحليل السياسي.

في أوقات الحرب تصبح تسمية الأشياء بأسمائها شرطًا أساسيًا لفهم ما يجري، المنطقة اليوم تعيش صراعات حقيقية بين قوى ومشاريع ومصالح متشابكة.. والتاريخ يخبرنا أن الدول التي تقرأ الواقع بوضوح تمتلك فرصة أفضل لحماية مصالحها، أما الدول التي تفسر كل ما حولها بالمؤامرات فإنها تخسر مرتين؛ مرة عندما تفشل في فهم ما يحدث، ومرة عندما تفقد القدرة على التأثير فيه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد