ورد في مذكرات مجيدي: ذهبنا إلى قرية لتصوير جزء من فيلم. احتجنا في بعض المشاهد لبناء ضريح، توفيرا لوقت طاقم التصوير والممثلين، لذا قمنا ببناء غرفة صغيرة تُحاكي ضريحًا، وقام عدد من الممثلين بأداء أدوارهم في الفيلم. بعد انتهاء العمل، قررنا ترك الغرفة كما كانت.
بعد خمس سنوات، أخبرني صديق بأن الضريح الذي صنعناه أصبح مزارًا مهما. لم أصدق، وقررت زيارة القرية، ورأيت صدق مقولته. لم أكن أرغب في تشويه أفكار الناس، بل أردتُ تغيير سلوكهم وعقولهم من خلال أفلامي، فقمت بالتحدث مع أهل القرية، وشرحت لهم الحقيقة، وكيف بنيناها قبل سنوات لغرض تسجيل مشاهد في أحد أفلامي، لحاجتنا لمزارٍ. كانت ردة فعل أهل القرية، وخاصة ذوي اللحى البيضاء، غاضبة جدا، وقالوا بحماس: لا، هذا إمام زاده، يُشفي من الجنون ويُحقق أماني القلوب! شعرتُ بأنني عاجز عن فعل شيء، وإن إصراري سيعرضني للأذى، فقررتُ الذهاب إلى عاقلهم، أو مكتب الأوقاف والشؤون الدينية في المنطقة، لأُزيل ذلك الجهل عن طريقهم. قابلت المسؤول وناقشتُ الأمر معه، وعلى عكس ما توقعت، غضب رئيس الأوقاف، ووصف كلامي بالهراء، وأصر أنه ضريح مقدس، وله نسبٌ كامل، ثم أراني رسالة مكتوبة بخط اليد وتحمل أختاما، تثبت صحة النسب لفلان وفلان من الأئمة، لكني لم أر غير رسالة جميلة.
خرجتُ يائسا، فلقيني على باب المكتب، أحد الموظفين، بدا أكثر تفهماً من غيره، وقال لي: يا سيدي، لا تُرهق نفسك، الناس يعتبرون ذلك المقام مقدساً فحسب، هذا كل ما في الأمر، أنت تعيش في هذا البلد، كان من المفترض أن تزيل ما بنيته في حينه. أدركتُ حينها مدى سهولة وعمق تغلغل جذور الجهل والخرافات في قلوب وعقول البعض.
ذكرتني قصة المخرج مجيدي بطرفة «دافنينه سوا»، وبحادثة مشابهة كنت طرفا فيها، عندما دعاني صديق محام معروف لزيارته في بيته الجديد، وهناك قام باطلاعي على محتويات البيت من فرش وتحف ولوحات، وكان كل شي بالفعل جميلا، ودل على ذوق صاحبه. ثم وقف أمام برواز من الفضة يضم وثيقة وشعارا كبيرا، وبضعة تواقيع وأختام، وقال انها الشهادة التي أعطيت له من جمعية الأشراف، في دولة عربية، تثبت نسبه «الشريف»، لآل البيت.
بعد العشاء وتناول ما لذ وطاب، مال علي وقال بصوت هامس، انه دفع مبلغا وقدره مقابل العضوية في نادي «الأشراف»، وهي عضوية نادرة.
استغربت من شخص يدعي الليبرالية والانفتاح حرصه على الحصول على شهادة غير حقيقية تتعلق بنسبه، علما بأنه من أسرة معروفة، ولم يكن بحاجة أصلا لذلك الادعاء.
فرقتنا الأيام، وبعد بضع سنوات التقينا مصادفة في بيت صديق، وقام أحد الضيوف بمخاطبة صاحبنا بلقب «مولانا السيد»، فتعالت الضحكات، وفوجئت باستنكار «المحامي» لموقف البعض من لقبه، فسمع اعتذارا من البعض، وصمتا من آخرين. اختليت به تاليا، وذكرته بما سبق أن أخبرني به عن مصدر الشهادة، فانتفض غاضبا، وأنكر أنه تحدث معي في ذلك، وكان صادقا في غضبه، فربما كرر كذبته عدة مرات، وفي النهاية صدقها. توفي تاليا، وغالبا مؤمنا بصحة نسبه!
أحمد الصراف

