: آخر تحديث

ترمب ومغالطات حرب إيران

5
6
6

رغم غضب قاعدته الشعبية «ماغا»، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يلتزم بكل ما تريده هذه القاعدة القوية. ورغم الحديث المتكرر عن أن ترمب لا يقوم بشيء لا ترضاه هذه القاعدة، فإنه أثبت في غزة وفنزويلا وإيران الآن أنه قادر على أن يعاكس بعض مبادئها الأساسية وينتصر في النهاية. لماذا يفعل الرئيس ترمب ذلك؟

هو لا يريد أن يكون حاكم واشنطن فقط، بل يسعى إلى لعب دور في تغيير مسار التاريخ، وقد فعل ذلك فعلاً. لا يريد أن يكون نسخة أخرى من جيمي كارتر أو باراك أوباما. سيذكرهما التاريخ ربما كقائدين جيدين لأميركا، لكن سيئين للعالم. ولكن السؤال: هل يعارض ترمب فعلاً مبدأ «أميركا أولاً» بسبب سياسته الخارجية التدخلية؟

الواقع أن العكس هو الصحيح. فمن مصلحة أميركا أن تحافظ على الاستقرار الدولي، خصوصاً في مناطق حيوية مثل الخليج والشرق الأوسط بشكل عام. تاريخياً، لا ننسى أن أميركا تجاهلت النازية حتى أعلنت الحرب عليها، وتجاهلت الإرهاب حتى ضرب أبراجها، وتجاهلت النظام الإيراني حتى فخّخ المنطقة بالميليشيات وقرصن المضايق البحرية. تردُّد أميركا جرّ في كثير من الأحيان إلى عالم أكثر فوضى.

هذه هي المغالطة الأولى. أما المغالطة الثانية فتقول إنه رجل الحروب لا رجل السلام. ولا ننسى أن الساسة الحزبيين والصحافة التي تناصبه العداء لأسبابها الخاصة يسعون إلى تكرار هذه الاتهامات وترويجها.

يقود ترمب من خلال مبدأ أن القوة تقود إلى السلام، في حين أن الضعف والاحتواء يقودان إلى مزيد من العنف. وهو الآن يواجه إيران بعد سياسات طويلة من الاحتواء والضعف، وصلت إلى حد منحها مفاتيح المنطقة للهيمنة عليها، لولا أن الرئيس ترمب مزّق أوراق الاتفاق النووي في حينه. ويقول ترمب، محقاً، إن الرؤساء السابقين طوال 47 عاماً لم يفعلوا شيئاً حقيقياً لإيقاف النظام الإيراني رغم أفعاله العدوانية المستمرة. فالقضاء على الأنظمة المارقة بالقوة قد يكون الطريق إلى السلام، وليس العكس. ونرى الدليل أمام أعيننا؛ فسياسات المصالحة الغربية والأميركية مع طهران خلال عقود لم تقدنا إلا إلى مزيد من الفوضى.

الدخول في حرب واستخدام القوة العسكرية هو الملاذ الأخير، والخيار القبيح، لكن القادة قد يُضطرون إليه اضطراراً. التاريخ الأوروبي يعلّمنا أن هزيمة ألمانيا النازية بالقوة العسكرية كانت نقطة التحول التي أنهت مشروعاً توسعياً خطيراً، ومهّدت لقيام أوروبا مستقرة ومزدهرة، تشكّلت فيها لاحقاً السوق الأوروبية، ثم الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك الحين انتهت الحروب الكبرى داخل أوروبا، حتى جاء الغزو الروسي لأوكرانيا.

وفي آسيا، أدت هزيمة اليابان العسكرية في الحرب العالمية الثانية إلى إنهاء مرحلة التوسع العسكري، وفتحت الباب أمام صعود اقتصادي آسيوي غير مسبوق. ظهرت اليابان بعدها قوة اقتصادية كبرى، وتبعتها لاحقاً النمور الآسيوية.

المشهد نفسه يتكرر اليوم في الشرق الأوسط الذي يعيش منذ عقود في دوامة من القلاقل والحروب بالوكالة بسبب مشروع النظام الإيراني. استُخدمت لغة الدبلوماسية، وقُدمت الإغراءات الاقتصادية، وفُتحت قنوات الحوار في محاولة لثنيه عن مشروعه التخريبي، لكن هذه المحاولات لم تغيّر من سلوكه شيئاً. ونحن نتحدث الآن والصواريخ والمسيّرات الإيرانية تسقط على العواصم والمدن الخليجية، تقتل الأبرياء وتدمّر المنشآت المدنية، رغم سعي هذه الدول المستمر لتجنب الحرب. ومع ذلك تسعى طهران إلى جرّ المنطقة إلى دائرة العنف وتعطيل تنميتها، لكنها لم تنجح في ذلك.

التاريخ يعلّمنا أن بعض المشاريع الآيديولوجية التوسعية لا تتوقف بالتعهدات ولا بالاتفاقيات، بل عندما تُهزم هزيمة واضحة تنهي قدرتها على العبث بالمنطقة. هكذا انتهت النازية في أوروبا، وهكذا انتهت العسكرية اليابانية في آسيا، ومن بعدها بدأت فصول طويلة من الاستقرار والازدهار.

يقف الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة تاريخية مشابهة؛ فإما أن يستمر مشروع الفوضى الذي تقوده طهران في ابتلاع المنطقة، وإما أن يتوقف عند حدّه كما توقفت قبله مشاريع توسعية أخرى في التاريخ. حينها فقط يمكن للمنطقة أن تخرج من دائرة الصراع المزمن، وتدخل أخيراً مرحلة طويلة من الاستقرار والتنمية التي تستحقها شعوبها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد