: آخر تحديث

كسر القالب

3
3
3

ليلى أمين السيف

في لحظةٍ لم أُخطّط لها، انزلق الحديث من سؤالٍ عابر إلى مواجهةٍ فكرية. من جملةٍ قيلت بلا اكتراث، إلى أسئلةٍ لا تُقال عادة على طاولات القهوة. لم أكن أبحث عن نقاش ديني، ولا عن تبرير، لكن بعض الأفكار حين تُقال خطأ تجعل الصمت نوعًا من التواطؤ. وهكذا، دون إنذار، خرجنا من حسابات الأرقام إلى حسابات القيم، ومن حكاية الزواج إلى معنى الدين نفسه.

قلت لمحدثي بهدوء لا يحمل رغبة في الإقناع بقدر ما يحمل رغبة في التفاهم: «أنا لا يهمني دينك» لأنني -ببساطة- أؤمن أن الأديان كلها من الله. ودينك الحقيقي بالنسبة لي، ليس اسمًا على البطاقة، بل كيف تتعامل معي الآن.

شرحت لهم أن عبادات أي إنسان وصلاته وصيامه هي شأن خاص بينه وبين الله، لا يملك أحد حق التفتيش فيه أو الحكم عليه. أما الذي يعنيني، والذي يلزمني به ديني، فهو الأدب، والعدل، والاحترام.

نحن في الإسلام مأمورون باحترام الإنسان، أيًّا كان دينه، واحترام الديانات السماوية كلها، واحترام أنبيائها. لا تجد مسلمًا عاقلًا يسب نبيًا أو يسخر من عقيدة الآخر، لأن إيماننا لا يكتمل إلا بالإيمان بجميع الأنبياء. من آمن ببعض وكفر ببعض، فإيمانه ناقص.

قلت لهم: نحن لا نشتم دينًا، ولا نستهزئ بنبي، ومع ذلك، لا أفهم لماذا يُهاجَم الإسلام بهذه الشراسة، بينما تُحترم حتى ديانات وثقافات لا يقبلها عقل ولا يؤمن بها الغرب نفسه.

لماذا يُطلب من المسلم دائمًا أن يعتذر عن دينه؟

ثم قلت جملة ضحكوا لها، لكنني كنت أعنيها

«أحيانًا أشعر أننا نحن المسلمين مسيحيون أكثر من بعض المسيحيين»

وضحت لهم الفكرة. في ديننا، ختان الأطفال موجود، وهو في الأصل موجود في اليهودية. والمسيحية ورثت الختان من اليهودية، لأن عيسى عليه السلام كان يهوديًا

مختتنا. لكن لاحقا ومع انتشار المسحية بين غير اليهود تم الغاء الختان الجسدي كفريضة في المسيحية المبكرة، واستُبدل بما سُمّي «ختان القلب» (المعنى الروحي).

تحريم الخنزير، والتحذير من الخمر، وتجريم الزنا، وقيم الستر والحياء واحترام الجسد، كلها لم تكن يومًا حكرًا على الإسلام. هذه أوامر عرفتها الشرائع السماوية جميعًا. الفرق أن بعضها تحوّل مع الزمن إلى رموز أخلاقية، بينما بقي في الإسلام حكمًا قائمًا، لأن النص لم يُغيَّر.

المشكلة هنا كما قلت لهم - ليست في الأوامر، بل في طريقة التعامل معها اليوم.

المشكلة ليست في النص، بل في الإنسان.

أوامر الله واضحة، لكن مخالفتها لا تُواجَه بعقوبة فورية، بل بحسابٍ مؤجَّل هذا إن كان المخالف يؤمن بالله واليوم الآخر. بينما القوانين الوضعية عقوباتها جاهزة، فورية، ورادعة. لذلك نرى الناس يلتزمون بدفع الضرائب خوفًا من الغرامة أو تهمة الاحتيال، ويلتزمون بإشارات المرور خوفًا من سحب الرخصة، لكنهم يتساهلون في أوامر الله لأن الحساب ليس اليوم.

قلت لهم: «نحن كمسلمين نحاول - بقدر ضعفنا البشري - أن نلتزم بأوامر الله، لأننا نؤمن أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا ليس اقتراحًا أخلاقيًا، بل منهج حيا.»

ثم جاء السؤال المتوقع: «لكن أنتم عندكم سنة وشيعة ومذاهب كثيرة»

ابتسمت وقلت: «القرآن لا يعرف هذه اللافتات»

«كتاب الله واحد، والمرجع واحد. كل فرقة حين تبتعد عن النص وتقدّم تفسيرها الخاص على الأصل، تبدأ المشكلة.

نعم، وُجدت اختلافات، كما في كل دين، لكن الأصل واحد، والميزان واحد ومن ابتعد عن النص وابتدع ما ليس فيه، فإنما يتحمّل وزره ووزر من تبعه.

أما اليوم، وقد صار الوصول إلى المعرفة متاحًا، فالحقيقة لم تعد بعيدة لمن أراد أن يراها.

وضربت مثالًا بالمسيحية نفسها، وقلت - مع تحفظ واحترام - المسيحية لم تبدأ منقسمة إلى أرثوذكس وبروتستانت وكاثوليك. في بداياتها كانت جماعة واحدة، ثم جاءت الانقسامات لاحقًا عبر التاريخ، نتيجة خلافات بشرية في التأويل والسلطة والظروف السياسية والثقافية. الانقسام لم يكن من جوهر الدين، بل من تاريخ البشر.

مع الدين الاختلاف الإنساني وارد، لكن تحويله إلى صراع هو «المشكل».

وختمت لهم: «القيم الكبرى واحدة»

العدل، الرحمة، الأمانة، احترام الإنسان، وضبط الشهوة، وعدم الظلم، هذه لا تتغير بتغير الثقافات، ولا الجنسيات، ولا الطاولات التي نجلس حولها.

بعض الأفكار، حين تُقال بهدوء، لا تُسمع فقط بل تستقر.

لم أكن هناك لأدافع، ولا لأُقنع، ولا لأنتصر. كنت فقط أذكّر أن الأديان خُلقت لتُهذّب الإنسان، لا ليُستخدم اسمها سلاحًا ضده.

ربما لم يتغيّر أحد في تلك الليلة، لكن شيئًا ما انكسر.

صورة جاهزة، حكم مُسبق، أو يقين كسول وهذا كافٍ لأن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ،

يكفيها أن تُقال في الوقت الصحيح.

** **

- كاتبة يمنية مقيمة في السويد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد