: آخر تحديث

في سهول الوغى

4
5
4

لو وصل إلى مسامع المفكّرين العلمويّين، الذين اكتمل عقدهم أوائل القرن التاسع عشر، بأن حرباً طاحنة تدور رحاها الآن في الشرق الأوسط، وحرباً مهولة أخرى مشتعلة في القارّة الأوروبية، في القرن الحادي والعشرين، لاهتزّت عظامهم في قبورهم، وارتجفت أرواحهم حيث هي مقيمة. فهم كانوا على يقين بأن العلم الحديث الذي اهتدت إليه البشرية بعد آلاف السنين من التحوّل والتطوّر، فتح الطريق أمام عصر جديد سيكتشف فيه العقل كل ما خفي عنه من أسرار، وستعرف فيه النفوس قدراً من الرقي الإنساني، الفردي والجماعي، ينتهي معه العنف المستمرّ منذ مستهلّ التاريخ، وطوال ما قبل التاريخ، ويبزغ معه، أخيراً، فجر السلام الدائم. كانت المعادلة الأكيدة في نظرهم هي التالية: بقدر ما تتطوّر المعرفة العلمية، بقدر ما يتلاشى العنف ويتعمّق الرقي الإنساني. ومع أن الحروب كانت مستمرة في القرن التاسع عشر، وأهمها الحروب النابوليونية، والحرب الفرنسية - الألمانية، والحرب الروسية - التركية، وحروب توحيد إيطاليا وحروب توحيد ألمانيا، وحروب عدّة أخرى هنا وهناك في أوروبا والعالم، فقد بدا الأمر، في منظور الرؤية العلموية، وكأنه مرحلة انتقالية نحو السلام الدائم الموعود. لكن حين وقعت الحرب العالمية الأولى مطلع القرن العشرين، تاركة وراءها 19 مليون قتيل من العسكريين والمدنيين، وسط بحر من الدمار والمآسي، سقطت المعادلة العلموية، وانتفت العلاقة بين العلم والسلم. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، لتقضي على ما بين 60 و80 مليون قتيل عسكري ومدني، ودمار في المدى الأوروبي يصعب وصفه، واستخدام السلاح النووي للمرة الأولى في التاريخ، فضلاً عن العنف المريع الذي مارسته النازية والستالينية والماوية. هكذا انقلبت العلاقة بين العلم والسلم رأساً على عقب. لم تعد المعادلة أنه كلما تقدّم العلم تطوّرت معه النزعة الإنسانية السلمية، بل كلما تقدّم العلم واتسعت المعرفة، اشتدّت الحروب وتصاعد العنف.

لكن بقي الأمل بأن القرن الحادي والعشرين سيحمل معه ربما حلم السلم وسيرفع فوق البشرية غصن الزيتون... لكن لم يكن شيء من ذلك. يبقى التساؤل الأهمّ: هل من سبيل لعلاج العنف البشري؟

ثمة مراحل أربع كبرى لتطوّر علاقة المجتمعات بمسألة المعرفة والفعل. المرحلة السحريّة أولاً، حيث اعتقد الإنسان بإمكانية تأثيره المباشر على عناصر الطبيعة عبر ممارسة الطقوس السحرية. ثم المرحلة الوثنية ثانياً، حيث تخلّى الإنسان عن فكرة التأثير المباشر على عناصر الطبيعة ليتبنّى مفهوم التأثير عبر وسطاء، هم كوكبة كبيرة جداً من الآلهة. ثم المرحلة التوحيدية ثالثاً، حيث استمرّ مفهوم الوساطة، لكن عبر الإله الواحد غير المرئيّ، خالق السماء والأرض والقابض على كل شيء. ثم المرحلة العلمية رابعاً، حيث استعاد الإنسان مفهوم التأثير المباشر القديم، لكن عبر العلم الحديث دون سواه. وما زالت هذه المراحل الأربع الكبرى موجودة في الحاضر، لكنها متفاوتة من حيث انتشارها وتأثيرها.

وإذا توقفنا عند المرحلتين الأخيرتين وهما الأكثر أهمية في الحاضر منذ أكثر من ألفي عام، المرحلة التوحيدية والمرحلة العلمية، نجد أن روحانية التوحيد كما المعرفة العقلانية العلمية، لم تستطيعا القضاء على العنف البشري. على الرغم من إحلالها مخافة الله والمحبة وفعل الخير وتحريم القتل والثواب والعقاب في جوهر الحياة والقيم البشرية، لم تستطع الروحانيات لجم الحروب التي لا تُحصى التي انتشرت في مجتمعاتها، أو التي جرى خوضها باسمها على مدى العالم، في القرون الوسطى والأزمنة الحديثة والحاضر. كذلك كل ما شهدته هذه المراحل الطويلة من وسائل تعذيب وتنكيل واغتيال، لا توصف، بقي معها العنف البشري كما هو.

ودعاة العلم الحديث، الذين رأوا في المعرفة العلمية الوضعية، ثورة تاريخية عظمى على كل ما سبقها من معتقدات إيمانية ومعارف فلسفية مجرّدة، وكان لهم اليقين أنها ستكشف أسرار الحياة والطبيعة والكون، وستحلّ نهائيّاً مسألة العنف التي رافقت الإنسان منذ بدايته، لم يصيبوا الهدف. وخلافاً لما ذهبوا إليه، لم يختفِ العنف البشري، بل اشتدت خطورته بما لا يُقاس مع الماضي القريب والسحيق معاً. وبقدر ما يحقّق الإنسان المعاصر من إنجازات علمية مذهلة في سبر أغوار الفضاء وفي الغوص في الجينات وابتكار الذكاء الاصطناعي والجنوح نحو أسلحة الجزئيات الفتاكة، بقدر ما تشتدّ الحروب وتتعاظم مخاطرها. كأن الإنسان لم يعد يكتفي في كون الأرض تحمل من الأسلحة النووية ما يمكنه تدميرها بضع مرات... فإلى أين أيضاً؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد