: آخر تحديث

حين يتكلم البيان على الشاشة

4
2
4

حين يظهر عثمان العمير في لقاءٍ تلفزيوني، لا يبدو مجرد ضيفٍ يجيب عن أسئلة، بل يبدو وكأن اللغة نفسها قد جلست إلى الطاولة لتتكلم، فبعض المتحدثين يملكون المعرفة، وبعضهم يملكون الجرأة، لكن القليل فقط يملكون تلك القدرة النادرة على تحويل الفكرة إلى بيانٍ حيٍّ يلامس السمع والعقل في آنٍ واحد.

بلاغة عثمان العمير في اللقاءات التلفزيونية لا تقوم على زخرفة الكلام أو إغراقه بالمصطلحات، بل على تلك الفصاحة الطبيعية التي تجعل العبارة تبدو كأنها وُلدت في لحظتها، فهو يتحدث بثقة العارف، وبهدوء من خبر السياسة والإعلام طويلاً، فتخرج كلماته قصيرة في ظاهرها، لكنها ممتلئة بالمعاني والإشارات، ومن يستمع إليه يدرك أن الرجل لا يبحث عن الجملة الرنانة بقدر ما يبحث عن الجملة الدقيقة التي تصيب المعنى في قلبه.

إن فضل البيان عند عثمان العمير يظهر أكثر ما يظهر في لحظة الارتجال، ففي الحوار المباشر حيث لا وقت للمراجعة ولا فرصة لإعادة الصياغة، تتكشف حقيقة البلاغة، وهناك تحديداً يتجلى تميّزه؛ إذ يمتلك قدرة واضحة على ترتيب الفكرة في ذهنه بسرعة، ثم إخراجها في عبارة سلسة تجمع بين الدقة والرشاقة، وكأن اللغة عنده ليست جهداً يُبذل، بل طاقة تسري في الكلام بصورة طبيعية.

وفي زمن أصبحت فيه كثير من الحوارات التلفزيونية مشدودة إلى الإثارة والصخب، يقدّم عثمان العمير نموذجاً مختلفاً للحديث الإعلامي؛ حديثاً يقوم على الفكرة قبل الصوت، وعلى المعنى قبل الاستعراض؛ لذلك فإن حضوره في البرامج لا يعتمد على رفع النبرة أو افتعال الجدل، بل على قوة العبارة ذاتها؛ لأن الكلمة حين تكون واضحة ومتماسكة تغني عن كثير من الضوضاء.

ولعل ما يمنح كلامه تلك الجاذبية هو التوازن بين الحكمة والاختزال، فهو لا يطيل حتى يرهق المستمع، ولا يختصر حتى يفرغ المعنى من عمقه، بل يمضي في منطقة وسطى تجعل حديثه أشبه بخلاصة تجربة طويلة في الصحافة والسياسة، ومن هنا يشعر المشاهد أن ما يُقال ليس مجرد رأي عابر، بل خلاصة قراءة للعالم.

لذا تبدو بلاغة عثمان العمير في التلفاز: بيانٌ هادئ، وفصاحة لا تتكلف، ومفردات رشيقة تخرج من تجربةٍ عريضة في الإعلام والحياة؛ لذلك لا يُذكر الرجل بوصفه إعلامياً فقط، بل بوصفه صاحب لسانٍ يعرف كيف يجعل الكلمة تؤدي رسالتها كاملة: فكرةً واضحة، ومعنى عميقاً، وأثراً يبقى في ذاكرة السامع بعد أن ينتهي اللقاء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.