: آخر تحديث

ترمب والمرشد... اختلال موازين القوة وانهيار الرؤية الثورية

5
4
5

بعد انقضاء ثلاثةِ أسابيعَ على «ملحمة الغضب»، لا يبدو أنَّ قادةَ إيرانَ في وارد الاستسلام، ولا ترمب في وارد التراجع، وكلاهما مصمم على القتال. ويبدو أن شخصيتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الجديد مجتبى خامنئي تلعبان دوراً محورياً في سردية التصعيد؛ لأنهما يريان أن اللحظة التاريخية ستخلدهما؛ مجتبى بالانتصار على «الشيطان الأكبر» والأصغر، وترمب بالخلود «هازم إيران»، ومكرس سلام الشرق الأوسط.

شخصية مجتبى غامضة، ومنذ انتخابه لم يظهر على شعبه، لم يُلقِ إلا خطاباً واحداً بلسان غيره، بينما ترمب يملأ الشاشات والصحف، ويدير الحرب كإمبراطور؛ هذا يُظهر فراغاً في قيادة إيران، ومركزة القرار في أميركا. في إيران يتمثل الفراغ بازدواجية السلطة: الدولة الرسمية والدولة الثورية. الدولة الثورية -«حرس ثوري» و«الباسيج»- تأخذ القرارات من دون تحمل المسؤولية، والدولة الرسمية عاجزة؛ لكنَّها تتحمَّل مسؤولية قرارات الدولة الثورية وتبررها. وهذا تجلَّى مؤخراً باعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الخليج عن الاعتداءات، ثم تراجعه أمام إصرار الدولة الثورية.

الاختلاف بين الشخصيتين -رغم أهميته- لا يكفي لفهم سيناريو الحرب، فلا بد من حسبان الفارق في القوة العسكرية، والرؤية الاستراتيجية؛ فالميزان العسكري راجح جداً لترمب الذي يستمتع بقوته، ويؤكد أنَّ هدفه الأخير استسلام إيران أو تدمير قدراتها العسكرية، بينما يحاول المرشد مجتبى -لتضييق الفارق- توسيع المعركة أفقياً، لتشمل دول الجوار ثم إقفال مضيق هرمز، لاعتقاده أنَّ دول الخليج ستضطر حرصاً على نموذجها الاقتصادي إلى الضغط على ترمب لكي يوقف القتال.

الاختلال الكبير في الميزان العسكري أدَّى حتمياً لاختلال في تحقيق الرؤية الاستراتيجية. فإيران منذ عام 1979 هدفها نشر الثورة الدينية لتكون الوعاء الفكري للهيمنة، وتكون الميليشيات العقائدية حصانَ طروادة لدخول العواصم العربية؛ وفي سبيل ذلك انكبت على برنامج نووي، يحميها، ويُسهِّل عليها إخراج أميركا من المنطقة، وبناء نظام إقليمي تتسيده، ويحقق مصالحها.

في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، استفاقت إيران على الخلل في ميزان القوة، وعلى هشاشة استراتيجيتها للمنطقة؛ قَطّعت إسرائيل أذرعها، ومسحت غزة، ودمرت «حزب الله»، وأدمت بمساعدة أميركية عسكرية الحوثي، وقلَّصت بالتهديد ميليشيات العراق؛ وفي يونيو (حزيران) عام 2025 قصفت أميركا برنامج إيران النووي، وفي 28 فبراير (شباط) الماضي شنَّت «ملحمة الغضب»، وبمشاركة إسرائيلية، على إيران لتحقيق هدفين: أولاً، تدمير قدرات إيران العسكرية كلياً، وثانياً، إسقاط رؤية إيران الاستراتيجية. ومع استمرار المعركة فإنَّ خياراتِ إيران العسكرية تضيق يومياً، ولجوءها إلى إغلاق مضيق هرمز سيضاعف خساراتها؛ لأنَّ خنق شريان العالم الاقتصادي سيدفع كثيراً من الدول للاصطفاف ضدها، وبالذات عسكرياً. وهذا السلاح الاقتصادي سيرتد عليها أخطاراً مضاعفة؛ لأنَّ أميركا ستصادر ناقلات إيران النفطية في عرض البحر، وستمتلئ مخازن النفط في جزيرة خرج، مما سيؤدي إلى إغلاق آبار النفط الإيراني وتضررها، ولن تقدر على تشغيلها إلا بتكاليف باهظة وبعد سنوات. هذا إذا لم يحتلها، ما دامت بعيدة عن البر الإيراني، وتشكل عصب الحياة الاقتصادي لإيران.

أمام هذا الواقع، ماذا ستفعل إيران لتدارك الكارثة بعد تقطيع أذرعها؟! المراهنة على أمرين: نفاد صبر الرئيس ترمب، ومساعدة الروس والصين. بالطبع إطالة الحرب ليست في صالح أميركا، وليست في صالح إيران؛ لكن أميركا يحكمها إمبراطور، ومولع بمكانة في التاريخ، وإسرائيل ترى إيران خطراً وجودياً، والجوار العربي (بعد الاعتداءات) لم يعد مقتنعاً بسياسة الترقيع؛ فالمراهنة على الداخل الأميركي ليست مضمونة، وكذلك المراهنة على إدماء إسرائيل عبثٌ. كذلك التعويل على روسيا لن ينفع لأنها تستفيد أكثر من «ضبط التوتر» لإبقاء النزاع بلا حل، وتولي علاقاتها مع دول الخليج أهمية كبرى، ناهيك عن استفادتها من ارتفاع أسعار النفط. أما الصين المهتمة بالاقتصاد، وبناء قدراتها العسكرية، فلا تريد مجابهة مبكرة مع ترمب، ولا إغضاب إسرائيل الصديقة، ولا إفساد علاقاتها الاقتصادية المهمة مع دول الخليج.

بالطبع قد تصمد إيران، كما صمدت اليابان، ولكنها ستدرك -كما اليابان في الحرب العالمية الثانية- أنَّ الحرب مع قوة متفوقة عليها نهاياتها مأساوية. اختارت اليابان الاستسلام، وغيرت دستورها، وأصبحت دولة ديمقراطية، يعيش شعبها في بحبوحة وسلام مع جيرانه، وإيران أمامها الآن فرصة خيار اليابان لتعيش بسلام، أو القتال أملاً بنصر إلهي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد