: آخر تحديث

فارغاس يوسا والثقافة الفرنسية مرة ثانية

27
32
30
مواضيع ذات صلة

لم أستطع منع نفسي من التعليق مرة ثانية على دفاع مديرة الأكاديمية الفرنسية هيلين كارير عن قبول الأكاديمية عضوية الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا، وهي قالت إنها لا تعرف أحداً يتحدث أفضل من يوسا عن الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير (1821-1880) صاحب الرواية الشهيرة «مدام بوفاري»، وقالت أيضاً إن صاحب «حفلة التيس» قد ساعد الثقافة الفرنسية أكثر من عدد كبير من الكتّاب الفرنسيين.

أولاً، لنبدأ من الملاحظة الأخيرة، وهي دور فارغاس يوسا في التعريف بالثقافة الفرنسية وإسهامه المباشر فيها بدرجة أعلى من عدد كبير من الكتّاب الفرنسيين.

هيلين كارير قالت هذا الكلام بقوة وصراحة، ولم تخش غضب الكتّاب الفرنسيين عليها أو على فارغاس يوسا نفسه الذي جلس ظهر الخميس الماضي على واحد من أرفع المقاعد في الأكاديمية التي يعود تأسيسها إلى العام 1635.

لم نقرأ حتى الآن، وعلى الأرجح لن نقرأ، أي تصريحات متشنّجة من جانب كتّاب فرنسيين لأن السيدة القوية كارير قالت إن يوسا خدم ثقافة بلادهم أكثر منهم، ولن تكون موجة غضب ذات طابع عنصري في الغالب، لأن ثقافة هؤلاء الفرنسيين مختلفة كلياً عن ثقافة بعض كتّاب العالم الذين يوصفون بمصطلحات خطيرة من مثل الشوفينية، والتعصّب، وإلغاء الآخر.. وغيرها من توصيفات تفيد معنى مصادرة الرأي وحرية التعبير، ولكن، إذا أردت الحق، فإن كاتباً في مثل قامة ميلان كونديرا خدم الأدب الفرنسي أكثر من فارغاس يوسا. إن الكاتب التشيكي الأصل يكتب اليوم والبارحة بالفرنسية، ورواياته بهذه اللغة مثل «خفة الكائن»، و«الحياة في مكان آخر» غَزَت أسواق الأدب والنشر في العالم، ومع ذلك، لم يكن له نصيب من مقاعد الأكاديمية الفرنسية.

قالت كارير إنها لا تعرف أحداً يتحدث عن فلوبير أفضل من فارغاس يوسا، ولا أدري هنا ما شأن بعض كتّابنا وشعرائنا العرب الذين يعيشون في فرنسا منذ سبعينات وثمانينات القرن العشرين وحتى اليوم؟ هل هؤلاء أو بعضهم لا يتحدث عن فلوبير أفضل من فارغاس يوسا، في حين أن العرب، ربما، يعرفون فلوبير أكثر من أي شعب آخر؟

نشر غوستاف فلوبير روايته الشهيرة «مدام بوفاري» في العام 1857، ونقلها إلى العربية أكثر من مترجم: محمد مندور، رحاب عكاوي، حلمي مراد، وفيق صفوت مختار مثلاً، ومن لم يقرأ الرواية التي هي بالفعل علامة أدبية كبرى، شاهدها في أكثر من فيلم عالمي.

للحظة ما يراودك شعور أن ماريو فارغاس يوسا عمل دعاية لفلوبير ورواياته بعد أكثر من 140 عاماً على ظاهرة أدبية فرنسية تُعتبر امتيازاً ثقافياً لمن قرأها بلغتها أو بلغات عالمية أخرى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد