: آخر تحديث
كيف تحولت مستودعات النفط إلى تهديد سام يخنق سكان العاصمة الإيرانية؟

شلل لوجستي وكارثة بيئية مرتقبة.. الغارات تشل قطاع توزيع الوقود في طهران

12
10
9

إيلاف من أبوظبي: في تداعيات مباشرة للغارات العسكرية الليلية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، أعلنت السلطات الإيرانية يوم الأحد، 8 مارس (آذار)، توقفاً مؤقتاً في عمليات توزيع الوقود داخل العاصمة طهران. واستهدفت الضربات المشتركة أربعة مخازن استراتيجية للنفط، إلى جانب مركز لوجستي مخصص لنقل المنتجات النفطية في محافظتي طهران والبرز، مما أسفر عن مقتل أربعة من موظفي "الشركة الوطنية الإيرانية لتوزيع المنتجات النفطية"، من بينهم سائقان، وإلحاق أضرار بالغة بالمنشآت الخمس المستهدفة.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) عن محافظ طهران، محمد صادق معتمديان، تأكيده أن الأضرار التي لحقت بشبكة إمداد الوقود حتمت تعليق التوزيع. وفي محاولة لاحتواء تأثير الغارات الإسرائيلية والأميركية على إمدادات الطاقة في إيران، صرح المدير العام للشركة الوطنية لتوزيع المنتجات النفطية، كرامت ويس كرمي، للتلفزيون الرسمي بأن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحرائق، مشدداً على امتلاك البلاد احتياطيات كافية من الوقود موزعة في مستودعات بمختلف أنحاء الجغرافيا الإيرانية لضمان استمرارية الإمداد.

ويشكل قطاع توزيع الوقود في إيران إحدى أكثر الركائز الحيوية تعقيداً في بنية الاقتصاد الإيراني، حيث تديره "الشركة الوطنية الإيرانية لتوزيع المنتجات النفطية" بشكل شديد المركزية. ورغم كون طهران من كبار منتجي الطاقة عالمياً، تعاني شبكتها اللوجستية المخصصة لتكرير وتوزيع الوقود من تقادم بنيوي وتحديات مركبة تجعلها أشبه بـ "الخاصرة الرخوة" استراتيجياً، والتي يسهل استهدافها لشل الحركة الداخلية وتقويض الاستقرار الاقتصادي.

ويبرز التناقض الاقتصادي الداخلي في سياسة الدعم الحكومي السخي لأسعار المحروقات، مما يجعل الوقود الإيراني من بين الأرخص على مستوى العالم. وأفرزت هذه السياسة معضلة مزدوجة؛ تتمثل الأولى في استنزاف المليارات من الميزانية العامة المنهكة بفعل العقوبات الدولية، وتتجلى الثانية في تفشي ظاهرة تهريب الوقود بمعدلات هائلة نحو الدول المجاورة. ولمعالجة هذا النزيف، اعتمدت السلطات نظام "البطاقة الذكية للوقود" لتقنين الحصص المدعومة ومراقبة الاستهلاك، إلا أن هذا التحول الرقمي المحدود خلق ثغرات من نوع آخر في منظومة معزولة تكنولوجياً وتفتقر للتحديث المستمر.

وعلى الصعيد الاستراتيجي والأمني، تحولت البنية التحتية لتوزيع الوقود إلى ساحة حرب صامتة ومكشوفة ونقطة استهداف مفضلة للخصوم. وتتسم الشبكة بهشاشة تقنية جعلتها عرضة لسلسلة من الهجمات السيبرانية المتقدمة خلال الأعوام الماضية، والتي أدت مراراً إلى شلل آلاف محطات التعبئة في عموم المحافظات. ومع تصاعد وتيرة الصراع الإقليمي المباشر، باتت المنشآت اللوجستية ومخازن الإمداد الكبرى هدفاً عسكرياً مباشراً، في تكتيك يرمي إلى خنق القدرة التشغيلية للدولة الإيرانية، وتعطيل حركتها المدنية والعسكرية، وتأليب الحاضنة الشعبية المأزومة معيشياً.

ولا تقتصر ارتدادات الهجوم الأميركي والإسرائيلي المشترك على تداعيات توقف توزيع الوقود في طهران، بل امتدت لتخلق أزمة بيئية وصحية خانقة، بعدما غطت سحابة سوداء كثيفة سماء العاصمة جراء احتراق المنشآت. ودعت الهيئات البيئية الإيرانية السكان إلى التزام منازلهم لتجنب استنشاق الدخان، في حين كشف الهلال الأحمر الإيراني عن انبعاث كميات هائلة من الهيدروكربونات السامة والكبريت وأكاسيد النيتروجين. وبلغت المخاطر الصحية والبيئية لاحتراق مخازن النفط الإيرانية ذروتها مع تحذير منظمات غير حكومية من احتمالية هطول أمطار حمضية شديدة الخطورة، قد تتسبب في حروق جلدية وأضرار رئوية جسيمة، وسط انتشار رائحة احتراق قوية في أرجاء العاصمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في اقتصاد