: آخر تحديث
أطلق مشاريع استراتيجية في الطاقة الشمسية والتخزين والاقتصاد الدائري

تحالف مغربي – صيني يعيد رسم الخريطة الطاقية في إفريقيا

4
5
4

إيلاف من الرباط : من الميناء الصناعي في ترييستي بإيطاليا إلى السهول المشمسة لإفريقيا جنوب الصحراء،وصولًا إلى صحارى الأطلس المغربي الغنية بالمعادن، تتشكل ملامح ثورة هادئة في مجال الطاقة. في قلب هذه الدينامية يوجد تحالف استراتيجي يجمع بين مجموعة “مارِيتا” المغربية، التي تأسست في الرباط سنة 1994، و”غوتيون هاي-تك”، إحدى أبرز الشركات العالمية ( صينية ) في تصنيع البطاريات.

هذا التعاون ليس مجرد اتفاق تقليدي بين الشمال والجنوب أو حتى بين بلدان الجنوب،بل هو اندماج مدروس يجمع بين المعرفة العميقة بالأسواق الإفريقية والتفوق التكنولوجي الصيني،بهدف إثبات أن الاستدامة على نطاق واسع يمكن أن تسير جنبًا إلى جنب مع الربحية القوية في قارة طالما عانت من نقص الطاقة الموثوقة والميسورة التكلفة.

غوتيون هاي-تك: تكنولوجيا عالمية تُصنع في إفريقيا

تتخذ “غوتيون هاي-تك”من الصين مقرًا لها، وقد حصلت على تصنيف Tier 1 من مؤسسة BloombergNEF،وهو أعلى معيار في صناعة تخزين الطاقة عالميًا.وتتمثل نقاط قوتها في بطاريات LFP من الجيل الجديد،وأنظمة التخزين“GoGo Grid”،إضافة إلى مصنعها العملاق العامل بالكامل في القنيطرة (شمال الرباط)،بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 20 غيغاواط/ساعة.

وللمرة الأولى، يتم تثبيت سلسلة قيمة متكاملة لصناعة البطاريات — من إنتاج الخلايا إلى دمجها في الشبكات — على الأراضي الإفريقية. 

ويبقى طموح الشركة واضح فهي لا تكتفي بتصدير التكنولوجيا إلى إفريقيا، بل تسعى إلى شريك محلي موثوق يفتح لها أبواب القارة بأكملها.

مجموعة مارِيتا: ثلاثون عامًا من الثقة الإفريقية

توفر مجموعة “مارِيتا” المغربية هذا الدور. فمنذ نشأتها عبر الاستحواذ على شركة “كولومبان” سنة 1994 (ثاني أكبر منتج عالمي للفلين آنذاك)، توسعت الشركة المغربية بهدوء لتشمل ثمانية قطاعات متنوعة، من التعدين إلى الأمن السيبراني، ومن العقار إلى الفلاحة المستدامة.

وبفضل 32 مكتبًا موزعة على أربع قارات، تمتلك المجموعة رصيدًا غير ملموس لكنه حاسم: ثلاثون عامًا من العلاقات العميقة مع الحكومات الإفريقية، ومصداقية ميدانية قوية. وعندما بحثت غوتيون عن شريك قادر على تحويل التكنولوجيا إلى واقع إفريقي، كانت مارِيتا حاضرة بالفعل.

ست مذكرات تفاهم ملموسة

ما يميز هذا التحالف عن العديد من الاتفاقيات النظرية هو عمقه العملي الفوري. فقد وقّع الطرفان ست مذكرات تفاهم تغطي مشاريع محددة وقابلة للتنفيذ، تتعلق ب: مشروع تخزين الطاقة (BESS) في ترييستي بإيطاليا، ومحطات طاقة شمسية عبر إفريقيا، وشاحنات كهربائية بمدى يصل إلى 1000 كيلومتر. وإزالة الكربون من قطاع التعدين في الرشيدية( شرق المغرب ) ، ومشروع الاقتصاد الدائري لتحويل البلاستيك إلى وقود، ومدينة ذكية في دار السلام بتنزانيا.

ست وثائق، ست خطط تشغيلية، وستة مشاريع قابلة للتمويل. في عالم الشراكات الصناعية، يمثل توقيع هذا العدد من الاتفاقيات التفصيلية دفعة واحدة إشارة قوية مفادها أن مارِيتا وغوتيون لا تختبران السوق، بل تبنيان المستقبل.

ترييستي: نموذج أوروبي قابل للتكرار في إفريقيا

أول اختبار عملي للتحالف يتم في أوروبا، حيث يجري تطوير مشروع في ترييستي على موقعين صناعيين مهجورين. يشمل المشروع محطة شمسية بقدرة 2.4 ميغاواط مرفوقة بنظام تخزين متطور.

تبلغ الاستثمارات الأولية (باستثناء العقار) 2.5 مليون دولار، مع استثمار إضافي بقيمة 40 مليون دولار للأراضي. ومن المتوقع تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 37,840 طن سنويًا.

في المرحلة الثانية، يستهدف المشروع التوسع إلى 7 غيغاواط باستثمار يقارب 1.4 مليار يورو، على أن يمتد لاحقًا إلى مناطق إيطالية أخرى. ويُعد هذا المشروع نموذجًا عمليًا قابلًا للتكرار يمكن تقديمه للحكومات الإفريقية والممولين الدوليين.

إفريقيا: 15 دولة واستراتيجية مخصصة

يعتمد الانتشار في إفريقيا على مقاربة مرنة حسب كل بلد:ففي المغرب يهدف مشروع الرشيدية(30 ميغاواط + 68 ميغاواط/ساعة تخزين)إلى تحقيق استقلال طاقي كامل لمنشأة تعدين،بتكلفة تنافسية وعائد استثماري خلال 6 إلى 8 سنوات.

وفي غرب إفريقيا، هناك مفاوضات متقدمة في نيجيريا، وكوت ديفوار ، وغانا لتعويض مولدات الديزل وتحسين استقرار الشبكات.

وفي وسط وشرق إفريقيا هناك مشاريع كهربة المدارس والبنيات التحتية، خاصة في رواندا وأوغندا، مع اهتمام من دول أخرى مثل الكونغو وأنغولا وإفريقيا الوسطى.

الاقتصاد الدائري: تحويل النفايات إلى ثروة

تكمن خصوصية التحالف في نموذجه الدائري المتكامل المتمثل في تحويل البلاستيك إلى وقود من خلال معالجة 12 ألف طن سنويًا لإنتاج 10,200 طن من الوقود الاصطناعي، مع خلق فرص عمل محلية.

ففي مزرعة مولاي بوسلهام( غرب المغرب ) أقيم مشروع فلاحي وسياحي مستدام يعتمد كليًا على الطاقة الشمسية، مع تقليص كبير للانبعاثات.

وفي مجال الشاحنات الكهربائية التي تعمل بمدى 1000 كلم وشحن سريع، شكل ذلك تحولًا جذريًا في قطاع النقل الإفريقي.

تكامل استراتيجي نادر

تعتمد قوة التحالف على معادلة بسيطة تتمثل في كون "مارِيتا "توفر الشرعية المحلية والخبرة الإفريقية، بينما توفر "غوتيون"التكنولوجيا والقدرات الصناعية العالمية.والنتيجة، بناء منظومة متكاملة تشمل الطاقة النظيفة، التخزين، النقل الكهربائي، إزالة الكربون، والاقتصاد الدائري، قابلة للتكرار عبر القارة.

دعم دولي وآفاق واعدة

حصل المشروع على دعم مبدئي من البنك الإفريقي للتنمية، ما يعزز فرص التمويل الدولي. ويأتي ذلك في وقت تحتاج فيه إفريقيا إلى نحو 25 مليار دولار سنويًا لتحقيق الولوج الشامل إلى الكهرباء.

نحو إفريقيا خضراء

رغم التحديات المرتبطة بالتمويل واللوجستيك والتنظيم، يمثل هذا التحالف نموذجًا واعدًا وقابلًا للتوسع. وللمرة الأولى منذ سنوات، يلتقي فاعل صناعي إفريقي مع قائد تكنولوجي عالمي حول رؤية مشتركة.هذه الرؤية تحمل اسمًا واحدًا هو إفريقيا الخضراء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في اقتصاد