: آخر تحديث

التخلّي عن النووي لديهما وإلاّ... فالخشية من الأعظم

4
4
3

إذا كانت هذه الاستهانة من جانب بنيامين نتنياهو بلبنان ستتواصل اعتداءاتٍ متواصلة، حيث يبغي العدوانَ وتهجيراً بصيغة الإذلال، فإنه لا يُستبعد أن يصحو اللبنانيون، وبوجه خاص بيارتة الوطن وإخوانهم النازحون الصابرون على ضيم النزوح بفعل الصواريخ البنيامينية التي تُدمر الأبنية على من فيها، إذا كان ساكنوها لن ينفذوا اللفتة البنيامينية الخبيثة المتمثلة بإنذار السكان الآمنين بالمغادرة لأن الصواريخ جاهزة للعدوان عليهم... إنه لا يُستبعد أن يصحو الجميع، الذين تقضّ جولات المسيَّرات اليومية في سماء بيروت مضاجعهم، وقد باتت إسرائيل في قلب العاصمة بين "وادي أبو جميل"، الذي طالما نَعِم اليهود قبل نكبة 1948 به على مدى سنوات، تمدداً إلى "باب إدريس"، فإلى "شارع المصارف"، وصولاً إلى ساحة الرئيس المظلوم رياض الصلح، رحمة الله عليه، ثم بعد ذلك يبدأ التمدد في اتجاه الأسواق التجارية التي أرادها الرئيس المغدور رفيق الحريري، رحمة الله عليه، أحلى الأسواق وأرقاها.

وقد يبدو ما نُحبِّره هنا نوعاً من الخيال، لكن تطلعات الحركة الصهيونية كانت على أساس التمدد والتخلص من أي عربي إذا أمكن ذلك عملياً أو إخضاعاً. ثم إن الذي حدث في غزة، ثم يحدث الآن في مناطق كثيرة من جنوب الوطن من اجتياحات واحتلالات وتهجير واعتداءات لا سابقة لها، ليس سوى دلائل على ما نتوقعه للمخطط الذي يتم تنفيذه، وتحت ذريعة أن إسرائيل نتنياهو، وبن غفير شريكه في الحقد على كل من لا يطأطئ لهما الرأس، تريد تطبيعاً للعلاقات أو، في الحد الأدنى، وعداً بالتطبيع في وقت مناسب.

يتذرع المعتدون المتطلعون إلى التوسع احتلالاً لأرض عربية في الجولان ومناطق من لبنان، بأن الخشية هي من "حزب الله" وما يطلقه على إسرائيل المحتلة من قذائف صاروخية، وما يرسله من مُسيَّرات. ولو كان ما يفعله المعتدي البنياميني يتصل بهذه الذريعة، فإن أصول المواجهة العسكرية هي الرد المماثل، أي استهداف المواقع التي تنطلق منها الصواريخ والمسيَّرات، وليس استهداف مبانٍ ومستشفيات ومراكز رعاية ومدارس وأسواق في معظم البلدات الجنوبية والبقاعية والبعلبكية-الهرملية.

لو اقتصر الأمر على اعتماد قاعدة الرد بالمثل، لكان ربما أمكن، بالتفاوض المنزَّه عن الأحقاد والأطماع، إيجاد صيغة تفاهم، وبحيث لا يقتصر راعي التفاوض على جهة دولية واحدة هي الإدارة الترمبية، كونها شريكة إسرائيل في ما حدث وما زال من اعتداءات. وقد يقال إن تلك الإدارة لا تشارك إسرائيل في العدوان على لبنان كما مارسته إزاء إيران، حيث تلازم القصف الأميركي مع القصف الإسرائيلي لعشرات المواقع والأهداف الحساسة والمراكز التي تغذي الشعب بما تنتجه، هذا فضلاً عن اغتيال رأس الدولة الشيخ الخامنئي (الأب) وعشرات الجنرالات، وعلى نحو ما سبق حدوثه في لبنان، بدءاً بالأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله وكوكبة من القادة العسكريين والمدنيين.

لم تلتزم إسرائيل البنيامينية بأصول المواجهة، وتحت سمع الشريك الأميركي وبصره، وكذلك الموقف الدولي الحازم الخجول والمخجل في الوقت نفسه، يقابله الموقف العربي الصامت صمت أبي الهول. وها هي ترتكب في لبنان ما شاء لها الارتكاب، غير آخذة في الاعتبار أن ما ترتكبه سيؤسس، مع مرور زمن ليس بالبعيد، جيلاً من المقاومة في غزة ولبنان، قوامه فتية وفتيات عايشوا أهوال العدوان البنياميني عليهم، بما في ذلك الرقص البنغفيري أمام المسجد الأقصى. وهذا الجيل المفترَض سيكون أكثر إصراراً على وضع حد للباطل الإسرائيلي، وبما يرضي هذا الإصرار كوكبات الذين اغتيلوا مع أطفالهم، وأوجاع الذين استُشهدوا، وأوجاع الذين شيّدوا الديار فدمرها العدوان البنياميني، وكذلك محنة الذين نزحوا مكرهين من بيوتهم وبلداتهم.

هذا الذي ما زال يحدث بات يستوجب عقد قمة عربية-إسلامية استثنائية، بروحية القمة الروحية التي عُقدت الثلاثاء 2 حزيران (يونيو) 2026 في مقر الطائفة الدرزية، تتخذ موقفاً إزاء الصديق الأميركي واستمرار الاستهانة البنيامينية بالأمتين معاً. وقد يقول قائلون إن انعقاد قمم عربية وإسلامية يتوالى منذ نصف قرن، ومع ذلك يتزايد العدوان الإسرائيلي، ومن دون أي موقف حاسم. لكن قمة عربية-إسلامية تحدد موقفاً مبدئياً من الصديق الأميركي، بحيث لا يكون صديقاً ساهياً عن العرب والمسلمين، حليفاً حربياً لإسرائيل، ربما يتبدل ما هو حاصل. قمة واضحة المقاصد والنوايا، تستعمل فيها الدول التي أبرمت اتفاقيات سلام وتطبيع مع إسرائيل هذه الورقة، وذلك بتعليق الاتفاقيات والتطبيع وليس الإلغاء. قمة عربية إسلامية نخوية لا تنادي بالحرب، وإنما بتعطيل المخاوف منها، وهذا يكون بخطوة إيرانية مقابل خطوة من إسرائيل، ويتبنى المجتمع الدولي الخطوتين. أما الخطوة الإيرانية فالتزام الدولة بعدم المضي في إنتاج سلاح نووي، فيما الخطوة الإسرائيلية هي إفراغ الدولة من السلاح النووي، والتسليم بقيام دولة فلسطينية على نحو ما تضمنته صيغة التسوية الموضوعية في القمة العربية في بيروت عام 2002، والتي تستوجب دعم الأمتين معاً، ومعهما التسليم الأميركي بالحل الذي لا حل غيره.

في حال حدثت رجاحة العقل، وترسخت مقومات التعقل، لن تعود إسرائيل، في ظل بعض غضّ النظر الأميركي، إلى مواصلة تنويع العدوان على لبنان، على نحو ما أشرنا إليه في سطور سابقة، مع شهية اقتحام العاصمة بيروت أو معاودة "الأربعاء الأسود" في 8 نيسان (أبريل) 2026، دافعةً النازحين وبعض البيارتة نحو البحر لكي ينتهوا غرقى، ومستملكةً "وادي أبو جميل"، عرينها التجاري في زمن سماحة اللبنانيين لضيوفهم.

لا قدّر الله حدوث ذلك.

فؤاد مطر


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.