استيقظت صباح اليوم، على مكالمة فيديو واتس من شقيقيَّ: محمد، وعبد الغني، في قرية تل أفندي، بعد أن صعد أعلى التل المميز الذي بات يتضاءل، ويشيخ، وينيخ، كما جمل أمام أهله، مدركًا أن كثيرين ممن ولدوا في هذا المكان، إما أنهم انتشروا في أصقاع خرائط العالم، أو باتوا في حضنه، كما شخصيات عزيزة، من أهل القرية، ومن بينهم: شقيق لي وشقيقة وابن عم، هم: عبد العزيز، شقيق حفيظ، وشقيقاي: فائق ومنور. أراني محمد سطح التل الذي يصلح أن يكون ملعب كرة قدم رسمية، من جهاته: ما من محطِّ قدمي طائر، إلا ووطأته قدماي، ونصبت هناك فخاخي، أو شهد رميات حصى نقيفتي. هنا اصطدت أرنبًا بريًا، ركضًا وراءه، في يوم ربيعي ممطر، عندما كان أبي قد حج إلى بيت الله، للمرة الأولى في العام 1970، فانتشر الخبر، كأنني اصطدت جملًا، أو فرسًا، أو نلت جائزة كبرى، فراح من كانوا يراقبونني يتحدثون عن ذلك، بعد أن تعب بعض من كانوا يلاحقونه: كبارًا وصغارًا، فذبحه لي أخي في الرضاعة: المرحوم شيخموس سليمان موسى، بسكينه التي كان يحملها، كي يتقاسم لحمها أفراد أكثر من أسرة، ومعلم القرية. ابن الساحل: محمد مبارك، بعد أن وزعت أمي صحونًا منه، على هؤلاء، وهو ما دعاني أن أسأل حتى الآن: ترى، كيف تم ذلك؟!
طلبت منهما، أي من شقيقي محمد وعبد الغني، أن يديرا عدسة الهاتف على الجهات كلها: البشيرية، صارنج، الشريفية، خربة زركان، راغو، القوس، شيخ أمين. أكثر تلك القرى لم يبق منها إلا الأطلال وبعض الأبناء أو الأحفاد الذين يحرسون رائحة الماضي. تذكرت موقع المدرسة التي تخرَّج فيها المئات، ومنهم من أصبحوا مربين، مهندسين، كتابًا، وجوهًا بارزة، نفتخر بهم جميعًا، وقد تناولت أسماءهم في كتابي "ممحاة المسافة" 2016، ولعلني، هنا، أعيد شذرات من طيف ذلك الكتاب، لولا حدثان تما، وهو رحيل اثنين درسا في القرية ذاتها خلال أربع وعشرين ساعة: سعد محمد حاج حسن يوسف وحسين يوسف، ولي مع كل منهما بقايا قصة أو قصص، وإن انقطع تواصلي بهما منذ 1973.
فقد توفي صباح أمس المربي سعد يوسف ابن قرية خربة زركان، والذي كان عريف المدرسة. أتذكر، أنه كان في الصف السادس الابتدائي، وكنت في الصف الأول الابتدائي. كما توفي في اليوم السابق عليه: حسين يونس ابن قرية القوس، واسما كليهما في كتاب مذكراتي المذكور ذاك. لقد قرأت خبر رحيل المربي سعد، الذي كتبت عن والده، وبعض أفراد أسرته في أكثر من كتاب لي، فقد عُرفت أسرتهم بالاهتمام بالدراسة، وكان يقال: محمد حاج حسن يوسف من عداد الأكثر اهتمامًا، في المنطقة، بدراسة أبنائهم، متحسرًا على عدم مقدرته متابعة العلم في زمنه!
عُرف الشقيقان: سعد وسعيد بأنهما كانا متفوقين، لدرجة أنهما مع المربي المرحوم، وشقيقيَ في الرضاعة سليمان حمزة ملي وعبد العزيز سلفيج، وعثمان ملي، كانوا من يعيدون علينا الدروس، إضافة إلى المربي عز الدين يوسف، إذ كان المعلم، في مدرسة الصف الواحد، يختص بتعليم دروس طلاب السادس، ومن ثم الخامس، تاركًا مهمة تعليمنا، غالبًا، لتلاميذ أكبر منا، يتقدموننا دراسيًا، وإن كنت قد تعلمت القراءة والكتابة، قبل دخولي المدرسة، لتعلّمي قراءة القرآن الكريم، واستظهاري سور جزء عم وغيرها، على يدي أبي، بينما لم نلتق أول مرب في القرية: إبراهيم سلفيج، على مقاعد المدرسة، لأنه كان قد سبقنا جميعًا.
ما كان يروى عن سعد، أنه نال علامات عالية، في الفرع العلمي، وعندما توجه إلى مديرية التربية ليسجل في معهد إعداد المدرسين، اعترض المسؤول التربوي: عبد العزيز طعمة، على تسجيله، قائلًا: علاماتك عالية، ليأت والدك، وأقنعه، بذلك، غير أن سعدًا كان يعرف أن ظروفه لا تسمح له بدراسة الجامعة التي راح يستكمل حلمه في دراستها، في قسم الفلسفة، بعد تخرجه في المعهد، وممارسته التعليم، وتحسن ظروفه.
أفراد أسرة سعد جميعًا، كانوا متفوقين: سعيد الزميل الكاتب، عبيد المهندس، زبير الفنان التشكيلي، طلحت، بيد أني لم ألتق ببقية أفراد الأسرة، بسبب مغادرتنا القرية، كما لا أتذكر كثيرًا لقائي بسعد وسعيد، بعد العام 1973، لانشغال كل منا بالتعلم، أو التعليم، وانتقالي من حضن المدينة التي شهدت دراستنا الإعدادية، إلى قلب مدينة أخرى، هي: قامشلي. كما أنني تناولت في كتابي السيروي ذكرى عن والدهم العم محمد حاج حسن الذي كان يأتي من قريته إلى تل أفندي، كلما أراد السفر إلى الحسكة، أو عاد منها، لأن أكثر من باص كان يمر في القرية: شفيق إبراهيم الأقصوارني، ناصيف، أحمد إينكي، فرج شيخو كورو، أحمد عرب الذي عمل عليه كل من: أبو علي الذي احترق في سجن الحسكة عام 1991 والشيخ محمد القادري، الحاج مصطي ماردلي.
قبل دخول سعد الغيبوبة، بيوم أو يومين، أي في السبت الماضي، قبل خمسة أيام من وفاته، التقيت في مجلس عزاء في دورتموند، المهندس: عمر حسن سعدو، ابن طوبو، وسألته عن حميه أ. سعد، فقال لي: كان يكلمنا هاتفيًا ليلة أمس، وهو بخير. بعد أن غادرت المجلس، قلت في نفسي: لمَ لم أطلب رقم هاتف حميه، وفاءً، وشوقًا، وتقديرًا.
كما فاجأني أخي محمد، بمكالمة فيديو، بعد ساعات من المكالمة الأولى، من قرية القوس، والتي تقع جنوب تل أفندي، ليظهر عبد الرزاق خلف، شقيق عبد الحميد الذي أعدم في الجيش السوري، بتهمة قتل ضابطه، كما رواه لنا والده الحاج خلف، عندما زارنا في قامشلي بعد ذلك، مع العم حاج سليمان عيسى المللي. عادت بي الذاكرة إلى تلك الأيام التي كان أبناء القرى المجاورة، المذكورة، يتوجهون إلى مدرسة تل أفندي، أفواجًا، متحدين ظروف الطبيعة: برد ومطر وثلج الشتاء وحر وغبار الصيف، في دروب ترابية، تغوص أقدام هؤلاء التلاميذ الصغار في أطيانها، وهم يرتعشون بردًا، مدثرين بأسمالهم وثيابهم السميكة المبللة. سألت عبد الرزاق عن حسين يونس، زميلي في الابتدائية، والذي سكنت معه في غرفة واحدة، قرب مقهى ختو، في الناصرة، قبل أن أنتقل منها إلى غرفة أخرى، في بيت أنيس، صاحب مطحنة تل حجر، لأن شقيقه وزوجته جاءا ليشاركانا السكن، على حين غرة، من دون سابق اتفاق. قال:
توفي أول أمس، الأربعاء!
تألمت لرحيل حسين، وثمة ذكريات مشتركة بيننا على امتداد ست سنوات من الدراسة، منها إيصال معلمنا المربي إبراهيم آلوجي إلى بلدة صفيا، وتناولنا الحلاوة وخبز الصاج، اللذين اشتراهما لنا أستاذنا، لنعود معًا. كل إلى قريته: هو إلى القوس وأنا إلى تل أفندي، مستغربًا: كيف أنني في سن الثانية عشرة استطعت أن أؤدي مهمة، اجتياز مسافة بضع عشرة كيلومترًا، ذهابًا وإيابًا، بعد مطر ليلة أمس، لحمل حقائب معلمنا، رفقة حسين، بوساطة دابتين، وأن أعود ليلًا إلى بيتي في القرية.
صدر كتابي "ممحاة المسافة" عن دار أوراق، القاهرة، 2016


