إيلاف من لندن: لطالما كان إعلان القداسة في الكنيسة الكاثوليكية أكثر من مجرد تكريم لشخص فاضل. هو أداة رمزية قوية تصوغ بها الكنيسة هويتها أمام العالم، وتعيد عبرها تعريف القدوة والمثال. وفي شهر نيسان (أبريل) الحالي، يستعد الفاتيكان لحدث استثنائي: تكريس أول قديس في الألفية الجديدة. لكن السؤال الجوهري يطرح نفسه بقوة: كيف يُقرَّر من يستحق هذا الشرف الإلهي؟ وما الآليات التي تقود إلى هذه اللحظة الفاصلة في مصير شخص راحل؟
يغوض التقرير التالي في أروقة الفاتيكان الداخلية، حيث تدار واحدة من أكثر العمليات الكنسية غموضًا: إعلان القداسة.
فتى المعجزات
في قلب هذه القصة يقف كارلو أكوتيس، مراهق من ميلانو، انجذب منذ طفولته إلى المعجزات، وراح يجمع قصصها بشغف غير مألوف. كتب عن النبيذ الذي تحول إلى دم في كنيسة بكرواتيا، وكاهن أوقف فيضانًا في إيطاليا، وآخر في كولومبيا تصدّى لتسونامي برفع ذخائر على الشاطئ.
هذا الهوس الروحي تحوّل إلى مشروع رقمي طموح: "متحف افتراضي للمعجزات"، دعا فيه الزوّار إلى استكشاف "عدد أصدقائهم في السماء" والتعرّف على سِيَر القديسين الشباب.
كان أكوتيس يعتقد جازمًا أنه سيموت شابًا. أخبر والدته، أنطونيا، أنه سيُتوفى بسبب "نزيف دماغي"، وطلب أن يُدفن في أسيزي، حيث تمتلك العائلة منزلًا صيفيًا. وعلى الرغم من نشأته في بيئة علمانية، كرّس حياته للكنيسة، ودرّس التعليم المسيحي للأطفال، وأعدّ دليلاً بعنوان: "تذكروا دائمًا أنكم أنتم أيضًا يمكنكم أن تصبحوا قديسين".
عند وفاته بسرطان الدم عن عمر 15 عامًا، بدأت رحلة ما بعد الحياة التي تديرها "دائرة دعاوى القديسين" في الفاتيكان، وهي الهيئة التي تتولى منذ عام 1588 فحص "ملفات القداسة".
العملية تتطلب تقييمًا شاملًا لحياة المرشح، وتأثيره بعد وفاته، وتوثيق معجزتين لا تفسير علمي لهما. ويؤكد بعض المؤرخين أن هذه العملية لا تخلو من البعد السياسي، وتُستخدم للسيطرة على "التقوى الشعبية" التي قد تتجاوز أحيانًا حدود المؤسسة.

حفل تقديس في ساحة القديس بطرس في عام 2018
تفتيش الأرواح والملفات
مع وفاة كارلو، بدأت لجنة تاريخية محلية التحقيق في حياته. تم تفتيش كتاباته ومحتوى موقعه الإلكتروني للبحث عن أدلة على "الخطيئة". وفي عام 2012، أطلقت أبرشية ميلانو "قضية تطويبه"، وتلقت في العام التالي الوثيقة الرسمية من الفاتيكان: "نيهيل أوبستات" (لا مانع)، التي تتيح المضي قدمًا في الإجراءات.
في الفاتيكان، تقع الدائرة المختصة في الطابق الثالث من مبنى يطل على ساحة القديس بطرس. هناك، يتوافد مناصرو "القضايا" محمّلين بملفات وصور وكتيبات تروّج لمرشحيهم.
الأب أنجيلو رومانو، المستشار العام للدائرة، يؤكد أن لديهم اليوم ما لا يقل عن 1600 قضية قيد الدراسة، بعضها يعود للقرن الخامس عشر، مضيفًا: "لا يوجد قانون للتقادم هنا".
القداسة ليست فقط فضائل
القداسة، بحسب المؤرخ بيتر بورك، لا تتعلق فقط بالفضائل، بل بالهوية والثقافة والسياسة أيضًا. كارلو أكوتيس، بشخصيته القريبة من جيل اليوم، اعتُبر مثالًا مثاليًا لتجديد صورة القديسين، حتى لُقّب بـ"قديس الإنترنت".
رغم أن قضايا القداسة عادةً ما تستغرق قرونًا، كما في حالة بيير توسان أو كاتري تيكاكويثا، فقد غيّر البابا يوحنا بولس الثاني القواعد في 1983، فقلّص المهلة إلى خمس سنوات، وخفّض عدد المعجزات المطلوبة، وألغى دور "محامي الشيطان".
مدير حملة... وقديس محتمل بماركة نايكي
كل قضية تطويب تحتاج إلى شخص يتولى إدارتها. في حالة كارلو، كان الكاتب نيكولا غوري هو مدير الحملة، ورأى في قصة كارلو دعوة "لإنقاذ الضمير من الموت في عصرنا الحديث".
لكن العملية مكلفة. التحقيق يتطلب أطباء، لاهوتيين، خبراء تاريخ، وتنظيم فعاليات واحتفالات. يقدّر الأب موريس نوت أن جمع مليون دولار كان ضروريًا لدعم قضية الأخت ثيا بومان.
ولتشجيع حدوث المعجزات، تُوزَّع منشورات، وتُنظّم صلوات، وتُطلب الشفاعة.
من السوق الشعبي إلى بيروقراطية الفاتيكان
حتى القرن الثاني عشر، كان الناس يعلنون قداسة أحبائهم بشكل شعبي غير رسمي، فيما سُمي بـ"سوق القديسين غير المنظم". لكن بعد تجاوزات، فرض البابا ألكسندر الثالث سلطة الفاتيكان، وأُرسيت قواعد القداسة الحديثة منذ القرن السابع عشر.
اليوم، الإجراءات شديدة التنظيم. بعد "نيهيل أوبستات"، تُجمع الشهادات وتوثَّق في ملفات ضخمة تتجاوز 1500 صفحة. وإذا اقتنعت اللجنة العليا، تُحال القضية للبابا، الذي يمكنه إعلان الشخص "جليلًا" – وهي الخطوة التي تسبق القداسة.
المعجزة الأولى: طفل برازيلي
في عام 2018، حصل أكوتيس على لقب "جليل". ومن هناك، بدأت رحلة البحث عن المعجزات. والدته ادعت شفاء امرأة من سرطان الثدي يوم جنازته، بينما قال البعض إن جثته لم تتحلل. الكنيسة نفت ذلك، وأكّدت أن ما وُجد كان "تحللًا طبيعيًا".
في 2019، نُقل جثمانه إلى كنيسة سانتا ماريا ماجوري، ووُضع في ضريح زجاجي، وعُرض قلبه في كاتدرائية قريبة. أُعد له قناع سيليكون لوجهه، واستُخرجت ذخائر من ثيابه وشعره. ظهر مرتديًا جينز وسترة من "نورث سيلز" وحذاء "نايكي"، ليصبح أول قديس محتمل يرتدي علامات تجارية.
في نيسان (أبريل) 2019، تلقّى الفاتيكان تقريرًا عن معجزة في البرازيل: طفل يُدعى ماتيوس شُفي من مرض في البنكرياس بعد أن قبّل قطعة من ثياب كارلو. لجنة طبية في الفاتيكان لم تجد تفسيرًا علميًا، فأصبحت هذه المعجزة الأولى المعترف بها.
المعجزة الثانية... والتصويت النهائي
في تشرين الأول (أكتوبر) 2020، أُعلن أكوتيس "مباركًا"، وهي الخطوة التي تسبق إعلان القداسة. شعبيته تصاعدت بقوة، خصوصًا بين الشباب.
في أيار (مايو) 2024، اعترف المجلس الطبي بمعجزة ثانية: فتاة كوستاريكية تُدعى فاليريا، شُفيت من إصابة دماغية قاتلة بعد سقوطها من دراجة. والدتها كانت قد صلّت لأكوتيس عند قبره، وسرعان ما بدأت المؤشرات الطبية تتحسن.
في تموز (يوليو)، صوّت الكرادلة في روما، وأعلن البابا فرنسيس موافقته الرسمية على القداسة.
وفي 27 نيسان (أبريل) الجاري، سينطق بكلمة "Desideramus" في ساحة القديس بطرس، ويُعلن كارلو أكوتيس قديسًا رسميًا.
قديس... كما هو
في تلك اللحظة، سيُدرج اسمه في سجل القديسين. وسيُحتفل به سنويًا في عيد خاص، كـ"قديس الإنترنت". أجزاء من قلبه جابت أميركا الشمالية، وتوافد المؤمنون للصلاة أمام ذخائره.
قال كاهن في تورونتو:
"كل معجزة هي دعوة للإيمان... وليس البابا من يصنع القديس، بل الناس."
كارلو لم يكن ناسكًا، ولا متزمّتًا. بل كان شابًا آمن دون ضجيج، وعاش إيمانه وسط ضوضاء العالم.