سأتكلــــم عن التعليم الحكومي العام في المملكة، باعتباري أحد مخرجاته، ولأني لا أعتقد بوجود نقلة جذرية فيه، بالمعنى الحــــــرفـي، وإنما مبادرات مطلوبة ولكنها محدودة، والدليل أن كلفة الطالب السنوية في التعليم الحكومي مئتـــا ريـال، أو 54 دولارا، بينمـــا الطالب في التعليم الأهلي، يصرف عليه سنويا عشرين ألف ريال، أو أكثر من خمسة آلاف وثلاث مئة دولار، والكلام عن المصروف على الطالب وليس الأقساط الفصلية، وهذا يحدث لأن 90 % من ميزانية التعليم السعودي تصرف على الرواتب والمباني والتجهيزات والخدمات المساندة، وليس على الطلبــــة والعملية التعليميـــة، مثلما تفعل بعض الدول في آسيا وفي شمال أوروبا.
منذ انطلاق رؤية المملكــــة في 2016، ووزارة التعليم السعودية، تعتبــــــر من أكثـــر الـوزارات التي تغير في وزرائها، وأستطيع القول بـارتياح، إن أغلبهم لا يكمل دورته الوزارية التي تصل لأربعـــة أعوام، ولعل الإشكالية في إصرار التعليم العام على الاحتفـــاء بأصحاب الذاكرة الفوتوغرافية، التي تصنـــع مقلدا لا مبدعا، ولا تهتم في رأيي بالطالب المختلف والمستفهــــم، الذي يجـــــد ترحيباً حاراً في التعليــــم الأهلي والأجنبي، وهناك من يصف الثاني بالاستعمار الثقافي الجديد، ويحيل إلى حرص الاستعمار الإنجليــــــزي في إفريقيــــا والعراق، ونظيره الفرنسي في دول المغرب العربي والشام، على كتابة مناهج التعليم بلغته، وبما يفيد في تكريس سيـاساته وثقافته وتاريخه، وأتصور أن ما سبق ينطوي على مبالغة غير معقولة، والصحيح أنه طور التعليم في هذه الدول.
وزير الحج والعمرة الحالي الدكتور توفيق الربيعة، في فترة تسلمه لوزارة الصحة، قال لجلسائه من المسؤولين في اجتماع رسمي، عندما طرحت عليه أفكار مستوردة في أزمة كورونا، لماذا لا نصنــع نموذجـــاً خاصاً يشبهنا وفعلها ونجــح، ومثلـه تعاملت سنغافورة مع التعليم، والنهضة التعليمية فيها تعتبر من بين الأفضل على مستوى العالم، وتشغل المرتبة الخامسة عالميا في مجال الابتكار، ونموذجها يعتمد على تحديد المستقبل النهائي للطالب، وأين يمكن توظيفه، بعد تخرجه في سن 20 أو 25 عاما، في أول ستة أعوام من حياته الدراسية، ومن خلال اختبار واحد يجري في الصف السادس، ونتيجته تفتح لهـــــم ستة مسارات تقنية وأكاديمية.
بالإضافة إلى أنه يقوم على نظام التعليم المرن، والمعنى أن محتواه يتغير طبقاً لاحتياجاته، وعلى سبيل المثال، إذا كان التوجه الجديد نحو الذكاء الاصطناعي، فإنهـــــم يقومون بتغييـــــر بعض المنــــاهج لتواكبه، والتدريب في التعليم الكوري، يعتمد على ابتكار حلول إبداعية لمشاكل حقيقية يرونها حولهم، ولا يأخذون بالتنظير وحده، وفي وزارات التعليم العربية والخليجية، تأخذ أحياناً بالنماذج الجاهزة في تطوير التعليم، التي قد لا تخدم، في كل الأحوال، مستهدفاتها بشكل مثالي، وتجعل التطوير غير متوافق واحتياجات سوق العمل.
المشكلة لا تخص التعليم في المملكة والمنطقة العربية، فقد انتقد السير البريطاني كين روبنسون، وهو خبير دولي معروف في مجال التعليم، منظومة التعليم في جملة من الدول الغربية، وقدم دليـــــلا من أميركا، التي يقدر أعداد المتسربين من تعليمها الثانوي إلى الشـــارع، بحــــوالي الاثنين مليون طالب سنوياً، ويحدث هذا لأن التعليم غير جاذب لهم، وهــــؤلاء يكونون مصادر لمشاكل اجتماعية كثيرة، ولهذا نجد أن واحدا من كل ثلاثين متسرب أميركي، يكون إما موقـــوفا، أو خارجا من السجـــن، أو قيـــد الإقامة الجبــــرية، بخلاف أن مصاريفهم في السجون، تفوق المتــــوقع صرفه عليهم فـــــي التعليم، والسابق يدخل في أسباب استنساخ بعض التعليم الأميركي للتجربة السنغافورية، وفي المقابل المملكة تنفق سنويا مئتي مليار ريال، أو ما يعادل 53 مليارا و334 مليون دولار، ونسبـــة الأمية فيها تصل إلى 5 % بين الرجال، و8 % بين النساء، وفق إحصاءات 2019، بينما لا يتجاوز إنفاق كوريا الجنوبية 11 مليارا و300 مليون دولار، ونسبة الأمية فيها 2 % للجنسين، بحسب أرقام 2016.
وزارة التعليم السعودية، في اعتقادي، لم تنتقل بالتعليم الحكومي حتى اليوم، من مرحلة النقل والتقليد، إلى مرحلة التحليل واتخاذ القرار باستقلالية، وأجـد أن مشاكلها إجمالاً، تحتـــاج لمصارحة وشفافية تامة ورحابة صدر، والأنسب تعظيم دور مركز خدمات المستثمرين في التعلــيم، المدرج في هيكلية وزارة التعليم نفسها، ورفع مستوى شراكته مع وزارة الاستثمار، والمنهج الموحد في المواد غير الأساسية، لا يناسب كل الطلبة، والأفضل العمل على مسارات خاصة تستثمر في التميز الفردي، كما هو الحال في (موهبة)، والاستفـــادة من التميـــز التعليمي لمدارس (أرامكو)، وبما يجيب على سؤال لماذا؟ وليس كيف؟، فالأول يخرج الفلاسفة والمفكرين والمبدعين، والثاني لا ينتج إلا منفذين يلتزمون بالروتين ويقاومون التغيير، وإمكانية الفعــل وإحداث الفارق موجودة بالتأكيد عند المسؤولين عن التعليم، والدليل تصميم مادة للتفكير الناقد والفلسفة في المرحلة الثانوية، ويرى أبو الاقتصاد الرأسمالي آدم سميث، أن التعليم استثمار وليس استهلاك، وأنه يمثل ركيزة أساسيــــة وهامة في بناء الدولة وتطورها، وفي تنمية المجتمعات.

