: آخر تحديث

نشيد الفلسفة!

6
5
6

لم يتكاثر الفلاسفة في مجالس الشعراء فجأة، بل كانوا هناك منذ البداية، متخفّين في ثياب الأوزان واللغة المتجددة، جالسين في ظلّ الاستعارة، يراقبون الكلمات وهي تكبر مثل شجرٍ جانبي على طرقات الأسئلة، فلم يكن الشعر يومًا بعيدًا عن الفلسفة، بل كان صورتها الأولى حين كانت الحكمة تمشي حافية في مسارب التواريخ، وحين كان الإنسان يقف على أثر الراحلين لا ليبكيهم فقط، بل ليسأل عن معنى الرحيل ذاته.

منذ أن وقف جدّنا الأكبر امرؤ القيس على الطلل، ودعانا باسم صاحبيه للوقوف معه، لم يكن يستعيد ديارًا خلت فحسب، بل كان يستعيد فكرة الزمن، وكان يسأل، دون أن يدري، عن سرّ الفناء والبقاء، هناك، عند الحجارة التي فقدت أسماءها، بدأ الشعر أول درسٍ في الفلسفة، وبدأت الفلسفة أول نشيدٍ في الشعر.

أما المتنبي، فكان واحدًا من أولئك الذين عاشوا في المسافة بين الحلم والعجز، بين ما أرادوه وما منحته لهم الحياة، كان أكبر من أيامه، وأشدّ اتساعًا من عمره، ولذلك ظلّ يطارد معنى يليق بجسارته، كأنّه يعرف أن الإنسان لا يقاس بما عاشه، بل بما أراد أن يعيشه ولم يُتح له، فلم تكن الحكمة في شعره زينةً لغوية، بل كانت مصيرًا يتقدّم أمامه مثل قدرٍ لا مهرب منه.. تلك المساحة التي عاش فيها المتنبي، بين الرغبة والواقع، بين المجد والحياة اليومية، لم يملأها في تاريخ الإنسان إلا الفلاسفة، هم الذين افترضوا الحضارة قبل أن تُبنى، ورسموا طرقها قبل أن تُعبَّد، ثم رحلوا عنها كما يرحل الضوء عن نافذةٍ أُغلقت فجأة، لم يتركوا خلفهم سوى أفكارٍ عارية، كلماتٍ يتيمة، وأسئلةٍ بلا سقف، لكن الشعر جاء بعدهم ليلبس تلك الأفكار لغة، وليمنح الأسئلة جسدًا يمكن أن يُلمس.

لذلك لم تكن هجرة الشعراء إلى مجالس الفلاسفة أمرًا طارئًا، بل عودةً إلى الأصل، إلى النبع الذي خرجت منه القصيدة أول مرة، فهذا العصر المادي بثقله الصاخب، لم يترك للشعر مكانًا آمنًا في الأسماع ولا في الخطب ولا في ساحات التمجيد، فانسحب الشاعر بهدوء إلى منطقةٍ أبطأ، منطقة التأمل، حيث الفكرة التي لا تحتاج إلى ميكروفون، وحيث السؤال الأهم من الجواب، حين تكون الأجوبة في متناول الجميع!

هناك، في تلك المساحة الهادئة، التقى الشعر بالفلسفة كما يلتقي جسدٌ بروحه، صارت الفلسفة عظام القصيدة، وصارت اللغة الشعرية جلدها الذي يكسو تلك العظام بنبضٍ إنسانيّ حيّ، لم يعد الشعر زينةً لغوية ولا خطابًا تعبويًا، بل صار تفكيرًا مشعًّا، فكرةً تمشي على قدمين من المجاز.. ومن هنا جاءت أزمة القصيدة المعاصرة ليست أزمة وجود، بل أزمة حضور، الفلسفة لم تقتل الشعر بل غيّرت ملامحه، كما يغيّر الزمن ملامح الوجوه دون أن يلغي أصحابها، فقصيدة النثر على سبيل المثال لم تأتِ لتكسر العمود فحسب، بل جاءت محمّلة بروح الحكماء، بكلماتٍ تشبه التأملات، وجُملٍ تفتح باب السؤال بدل أن تغلقه.

وفي هذا التحوّل، تغيّر الشاعر نفسه، فلم يعد خطيبًا يرفع صوته فوق المنابر، ولا واعظًا يوزّع الوصايا، ولا بوقًا لزعيم، ولا حافظًا لأيام القبائل، صار إنسانًا عاديًا، يشرب قهوته، يتصفّح الجريدة، يستمع لموسيقاه، ويخرج من يومه الصغير بقصيدةٍ تحاور الغيم، وتصافح عصفورًا ضائعًا، وتعلّق حلمها بريشةٍ تدور مع الريح فوق قريةٍ هجرتها الطيور منذ جفافها الأول.

الشاعر اليوم لا يحمل التاريخ على ظهره، بل يحمل قلبه فقط، لكن هذا القلب، حين يتوهّج، يصير بخورًا لذاكرة البشر، فكل شاعرٍ يقترب من جوهر الإنسان يعود إلينا بنفحةٍ من الزمن، بنبرةٍ خفيفة تقول لنا إن الحياة، رغم كل ماديتها، ما زالت تحتاج إلى كلمةٍ تتأملها، وإلى قصيدةٍ تفكّر بها..!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد