: آخر تحديث

الأكاديمي والمثقف

19
23
24

لا نظنّ أن هناك أحداً يمكن أن ينازع الدكتور طه حسين في صفة «الأكاديمي»، حين نتحدث عن حقلي التعليم والثقافة الحديثين في العالم العربي، ومن بين الأسس، أو المعايير، التي اعتمدت في تعيينه وزيراً للمعارف في مصر كانت صفته الأكاديمية، كأستاذ في الجامعة وعميد لواحدة من أهمّ كلياتها، التي جعلته مؤهلاً، لأن يتلمس حاجات تطوير التعليم في وطنه، مع ذلك فإن طه حسين بالذات، قبل سواه، هو من دعا إلى التمييز بين حملة الشهادات الجامعية، بما فيها الشهادات العليا كالماجستير والدكتوراه، والمثقفين.

ليس كل أستاذ جامعي هو مثقف بالضرورة، فما أكثر أعداد من يُصنّفون في هذه الخانة الذين لا تتجاوز مهارتهم تدريس المادة الموكل إليهم تدريسها لطلابهم، كأن يكون أحدهم معلماً للغة العربية مثلاً، لكنه غير معني بتطوير معارفه وتوسيع أفق ثقافته خارج تخصصه، الذي على أهميته، يبقى محدوداً، وقد يكون أستاذاً ناجحاً بالفعل في تعليم طلبته قواعد اللغة والنحو، لكن هذا لا يعني أنه مثقف.

وإذا كانت الخلفية الأكاديمية لطه حسين أحد أسباب اختياره وزيراً للمعارف، فإنها ليست السبب الوحيد، وقد لا تكون الأهم.. الأهمّ منها هو رؤيته المتكاملة لوظيفة التعليم، وأهمية النهوض به، كما دعا إلى ذلك في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، وهي رؤية المثقف قبل أن تكون رؤية الأكاديمي، ويرينا ذلك أنه في حال الجمع بين الأمرين، بين الثقافة والصفة الأكاديمية، نكون أمام النموذج الناجح للأكاديمي الذي يوظف معارفه في خدمة ثقافة وطنه ومجتمعه.

إيرادنا اسم طه حسين، كمثال حول الفارق والجامع بين المثقف والأكاديمي، مقصود، ليس فقط لأنه جمع بين الصفتين، وإنما أيضاً لأنه من أبرز من دَعَوْا إلى التفريق بين الأكاديمي المنغلق على تخصصه والأكاديمي المثقف. في مقاله «ثقافة ومثقفون» قال طه حسين: «الأديب الذي لا يُحسن إلا الأدب محدود الثقافة، والأديب الذي يستطيع المشاركة في غير الأدب، إلى حدٍ ما، واسع الثقافة وعميقها، وصاحب الفن الجميل إذا وقف عند فنّه، ولم يستطع أن يتجاوزه إلى غيره من ألوان المعرفة الإنسانية محدود الثقافة أيضاً».

ولعلّ طه حسين كان يخاطب من يهمهم الظفر بلقب دكتور، ويقفوا عنده حين قال: «من المحقق أن أفلاطون أو أرسطو كانوا علماء، وكانوا مثقفين بالقياس إلى العصور التي عاشوا فيها، ولم يظفر أحدهم بإجازة جامعية، لأن ذلك لم يكن معروفاً في أيامهم، ومع ذلك قد ملأوا الأرض علماً وثقافةً، ولا تزال الإنسانية تعيش على ما تركوا وما ترك أمثالهم من التراث الذي نسميه الإنساني، والذي كان وما زال أساساً للحضارة الإنسانية والمعرفة الإنسانية».

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد