: آخر تحديث

إشارات مهمة في حادثة بولندا

9
10
6
مواضيع ذات صلة

لم يكن سقوط صاروخين على الأراضي البولندية سوى إنذار مهم للغاية بخطورة الوضع الراهن وضرورة البحث عن مخارج للأزمة الأوكرانية. في البداية حبس العالم أنفاسه خشية أن يكون الصاروخين قد انطلقا من الأراضي الروسية، وأن الرد الأطلسي سيكون حتمياً لاسيما في ظل تحريض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على الرد. ولكن ماحال دون انتقال هذه الحادثة إلى مربع آخر هو الحذر البالغ الذي تعاملت به الولايات المتحدة تحديداً مع الأمر منذ بدايته.

المشهد كله ـ بعيداً عن حادثة الصاروخين ـ يوحي بوجود توجه أمريكي نحو التهدئة وتبريد الأزمة الأوكرانية، واللافت في ذلك أن العسكريين الأمريكيين يبدون حماسة من الدبلوماسيين أكثر للبحث عن تسوية سياسية للأزمة، حيث أكد الجنرال مارك ميلي رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي مؤخراً أن نجاح أوكرانيا عسكرياً في إجبار روسيا على الإنسحاب من كامل الأراضي الأوكرانية يعد إحتمالاً ضئيلاً، محذراً من أن روسيا "لا تزال تمتلك قوة قتالية كبيرة داخل أوكرانيا على الرغم من الإنتكاسات في ساحة المعركة".

هذا التصريح المهم يمثل رداً على الإصرار الأوكراني بشأن مواصلة الضغط على القوات الروسية حتى إستعادة جميع الأراضي، وهو إصرار تزايد عقب استعادة مدينة "خيرسون" الإستراتيجية الجنوبية، ودخول فصل الشتاء وصعوبة القتال ولاسيما على القوات الروسية.

في هذه الظروف ثمة فرصة للبحث عن مخرج لإنهاء هذه الحرب، لاسيما أن التكتيك الروسي الخاص بشن هجمات ضد البنى التحتية الأوكرانية واستهداف المدنيين الأوكرانيين بات يمثل ورقة ضغط مؤلمة لا تعقد فقط موقف أوكرانيا ولكن القيادة الروسية أيضاً، حيث تتزايد الإنتقادات الدولية ضد إستهداف شبكات الكهرباء المدنية والتسبب في المزيد من المعاناة للسكان المدنيين.

الميل الأمريكي للتهدئة وتبريد الأزمة يعود في جانب منه إلى التغير النسبي في تركيبة الكونجرس وسيطرة الجمهوريين على مجلس النواب، ولو بهامش ضئيل، عقب الإنتخابات النصفية الأخيرة، وهو تحول مهم لا يتعلق فقط بعرقلة المساعدات لأوكرانيا، ولكن أيضاً لأن نتائج هذه الإنتخابات قد تدفع الرئيس بايدن والديمقراطيين لمراجعة سياساتهم الخارجية في ملفات عدة والتركيز بشكل أكبر على الإستعداد للإنتخابات الرئاسية المقبلة، لاسيما في ظل إنقسام الجمهوريين وتفتت آرائهم بسبب عودة ترامب للمنافسة على الفوز بورقة الترشح الجمهوري للإنتخابات رغم الهزائم السياسية التي لحقت بمؤيديه في إنتخابات الكونجرس والولايات.

احد أهم مؤشرات الرغبة الأمريكية في التهدئة تتمثل في عقد إجتماع بين مسؤولي استخبارات البلدين، حيث التقى وليم بيرنز مدير وكالة الإستخبارات المركزية في أنقرة مؤخراً مع مدير الإستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين، في لقاء سعت الخارجية الأمريكية للحد من التوقعات بشأنه حينما قالت إن اللقاء يستهدف مناقشة عواقب إستخدام السلاح النووي ومخاطر التصعيد، وهو امر غير بعيد مطلقاً عن فكرة البحث عن مخارج للتهدئة والنزول من أعلى الشجرة التي صعدت إليها أطراف الأزمة كافة، ناهيك عن دلالات الحرص على ابقاء قنوات الإتصال بين موسكو وواشنطن مفتوحة.

هناك سعي أمريكي آخر أقر به رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي الذي قال في مؤتمر صحفي إنه حاول التحدث مع نظيره الروسي في أعقاب سقوط الصاروخ الروسي على بولندا ولكن المحاولات لم تنجح.

كان "حسم" الرئيس بايدن خلال وجوده في بالي لحضور قمة مجموعة العشرين أيضاً أحد أبرز مؤشرات التهدئة في حادثة سقوط الصاروخ الذي أودى بحياة شخصين في الجزء الشرقي من بولندا على الحدود الأوكرانية، حيث بادر بايدن للقول خلال مشاورات طارئة مع القادة إن "من غير الوارد" أن يكون الصاروخ انطلق من روسيا، وأن هناك معلومات أولية تعارض ذلك الطرح، وهو تصريح استبق التحقيقات ولكنه كان مؤشراً مهماً على عزم واشنطن لجم التوقعات والمخاوف بشأن الحادث.

ونلاحظ هنا أن مسارعة الولايات المتحدة إلى الحد من اندفاع التوقعات وتفادي استخدام الحادث في الضغط على روسيا، كما كانت تفعل دائماً منذ بدايات الأزمة، يؤكد ان هناك نية مؤكدة لتفادي التصعيد، وحرص على السيطرة على الموقف، حيث يلاحظ أن تصريحات بايدن لم تترك الأمر للتحقيقات فقط بل إستبعدت على الفور تورط روسيا واعتمدت على تحليل مسار الصاروخ من معلومات أولية دون انتظار نتائج التحقيقات النهائية.

أحد أسباب الموقف الأمريكي تكمن أيضاً في رغبة بايدن في حشد أعضاء مجموعة العشرين ضد روسيا، وكسب التعاطف مع الموقف الأمريكي، لاسيما أن حادثة الصاروخ كانت "بسيطة" مقارنة بالضربات الروسية المؤكدة التي استهدفت البنية التحتية لشبكة الكهرباء في أوكرانيا وتسببت في إنقطاع الكهرباء على نطاق واسع في البلاد، وهو أمر تسبب حتى في إحراج دول مثل الصين والهند وعدم قدرتهما على تبني المواقف ذاتها التي انطلقا منها منذ بدايات الأزمة.

ما سبق اتضحت آثاره في التغيير النسبي في موقفي الصين والهند اللتان لم تعترضا على صدور بيان ينتقد بشدة الحرب الروسية في أوكرانيا، رغم أن هذا يتعارض مع مواقف سابقة للدولتين. وما أسهم في موقفي الصين والهند أيضاً أن البيان الختامي لقمة العشرين قد ركز على تداعيات الحرب على صعيد الضحايا والتوترات العالمية وتعطيل الإقتصاد العالمي، وهي أمور تهم الدولتين، فضلاً عن أن البيان استخدم عبارات مستقاة من قرار صادر عن الأمم المتحدة في مارس الماضي يعرب عن "الأسف" ومطالبة روسيا بالإنسحاب الكامل من الأراضي الأوكرانية ولم يتطرق إلى إدانة روسيا بشكل صريح أو مباشر، ومع ذلك فقد تمسكت الصين ـ لأسباب تتعلق بموقفها في ملفات أخرى مثل تايوان ـ بعدم الإشارة إلى "غزو" وحرصت على بناء التوازن من خلال اتهام الغرب باستفزاز الرئيس بوتين، والتحذير من تحول الصراع إلى حرب نووية.

بلا شك أن الحادثة برمتها تنذر ما يمكن أن يتطور إليه الوضع سواء بقصد أو بغير قصد، والمسألة هنا لا تقتصر على فكرة إستنفار حلفاء الناتو ارتكازاً على المادة (5) أو غير ذلك، لأن الحلف نفسه لا يستطيع أن يذهب بعيداً في تنفيذ هذه المادة، ما يقوض مصداقيته ويؤثر سلباً على تماسكه، وبالتالي فإن الخطوط الحمر للحلف لن تحقق الهدف المراد منها بل قد تتحول إلى نقطة ضعف للحلف في ظل إحتمالية تكرار مثل هذه الأحداث والموقف الجماعي المؤكد بشأن ضرورة تجنب نشوب صراع عالمي قد يتحول إلى حرب نووية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي