: آخر تحديث
تقرير أولي يكشف التضليل الرقمي والخسائر والانتهاكات المحتملة

مجلس حقوق الإنسان المغربي يرصد مأساة العبور الجماعي إلى سبتة ومليلية

3
3
2

إيلاف من الرباط : أصدرالمجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب بيانا أوليا بشأن الأحداث التي رافقت العبور الجماعي نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، كاشفا عن معطيات ميدانية ورقمية تفيد بأن ما جرى لم يكن مجرد موجة هجرة غير نظامية عابرة، بل حدثا معقدا تشابكت فيه عوامل التضليل الرقمي، والتحريض عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واستغلال قرار قضائي إسباني، مع أعمال عنف وتداعيات إنسانية خطيرة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وأثارت مخاوف جدية بشأن احترام حقوق الإنسان من مختلف الأطراف.

وأكد المجلس، الذي أعلن متابعته للأحداث منذ بدايتها، أنه ينظر بقلق بالغ إلى ما آلت إليه الأوضاع في محيط الفنيدق وسبتة، وكذلك بني أنصار ومليلية، لما انطوت عليه من مساس بالحق في الحياة، وحقوق الأطفال، والحقوق المرتبطة بالهجرة، فضلا عن أوضاع مست الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية لآلاف الأشخاص الذين شاركوا في محاولات العبور.

وتقدم المجلس بأحر التعازي إلى أسر الضحايا، معلنا أن ما نشره يمثل خلاصات أولية فقط، في انتظار استكمال التحريات وتجميع مختلف المعطيات التي قد تفضي إلى إصدار تقرير أكثر تفصيلا، مشيرا إلى أن عملية الرصد استندت إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان والالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الحق في الحياة وسلامة الأشخاص وحقوق الطفل ومنع المعاملة القاسية أو المهينة.

لجنة يقظة ورصد ميداني ورقمي

وفي إطار مواكبة التطورات، أحدثت رئيسة المجلس أمينة بوعياش يوم 29 يوليو 2026 لجنة لليقظة والتنسيق ضمت رؤساء اللجان الجهوية لحقوق الإنسان بجهات الشرق وطنجة-تطوان-الحسيمة والدار البيضاء-سطات، إلى جانب مديريات الرصد والتواصل والفضاء الرقمي، وذلك لتتبع التحركات الميدانية والرقمية المرتبطة بالأحداث.

وقامت فرق المجلس بعمليات رصد ميداني في المدن التي شهدت تجمعات للشباب والقاصرين أو محاولات للعبور، كما استمعت إلى شهادات عدد من المشاركين في الرحلة نحو سبتة ومليلية أو العائدين منها، إضافة إلى متابعة واسعة للمحتويات المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي.

وكشف المجلس أنه تابع نشاط 23 مجموعة على موقع “فيسبوك” تضم مجتمعة أكثر من مليون و86 ألف عضو، وتنشر في المعدل أكثر من 1400 تدوينة يوميا، قبل أن يتم حذف خمس مجموعات رئيسية منها يوم 30 يوليو.

قرار قضائي إسباني غذى التضليل

ويرى المجلس أن وتيرة العبور شهدت تصاعدا ملحوظا منذ منتصف يوليو، لكنها بلغت ذروتها بعد نشر قرار للمحكمة العليا الإسبانية بتاريخ 8 يوليو 2026، يقضي بعدم إخضاع المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر لنظام الإرجاع الفوري، وإنما لإجراءات قانون الأجانب.

وأوضح أن هذا القرار تعرض لتأويلات مضللة على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث روجت صفحات ومجموعات لكون الوصول إلى سبتة أو مليلية سباحة سيمنع السلطات الإسبانية من إعادة المهاجرين، وهو ما أدى إلى انتشار واسع لهذه الرواية وتزايد الإقبال على محاولات العبور.

كما وثق المجلس حملات تعبئة واسعة عبر “واتساب” و”تلغرام” ومنصات أخرى، تضمنت تحديد أماكن التجمع، وتبادل الإرشادات العملية، وبيع معدات السباحة وسترات النجاة، فضلا عن نشر معلومات حول أفضل المسالك وأوقات العبور.

عشرات الآلاف عبروا نحو سبتة

وبحسب المعطيات التي جمعها المجلس، فقد شهد يوم 30 يوليو أكبر موجة عبور جماعي، حيث تدفق آلاف المغاربة والأجانب، بينهم أطفال ونساء، نحو مدينة سبتة، بينما شهد محيط بني أنصار محاولات مماثلة باتجاه مليلية.

وأشار إلى أن السلطات المغربية أعلنت لاحقا عبور نحو 40 ألف شخص إلى سبتة و1135 شخصا نحو مليلية، في حين أعلنت السلطات الإسبانية أرقاما أعلى وصلت إلى 72 ألف شخص بالنسبة لسبتة، مع تسجيل اختلافات واضحة في الإحصائيات المتعلقة بأعداد العابرين والعائدين والأطفال غير المرافقين.

حصيلة ثقيلة وخسائر مادية

وإلى غاية 6 اغسطس الجاري، سجل المجلس، وفق المعطيات المغربية، ارتفاع عدد الوفيات إلى 14 شخصا، بينما أعلنت سلطات سبتة عن وفاة 80 شخصا.

كما تم تسجيل 136 إصابة في صفوف المدنيين، نقل 13 منهم إلى المستشفيات، مقابل تقديم علاجات لـ87 عنصرا من القوات العمومية المغربية.

أما على المستوى القضائي، فقد تم توقيف نحو مائة شخص على خلفية أحداث سبتة، بينهم 11 قاصرا، مع متابعة 69 منهم في حالة اعتقال و14 في حالة سراح، بينما تم إيداع ستة أحداث بمراكز للرعاية الاجتماعية وتسليم خمسة إلى أولياء أمورهم، مع حفظ ملفات ستة أشخاص.

وسجل المجلس أيضا تعرض ممتلكات خاصة وعامة لأضرار شملت عشرات السيارات والدراجات النارية ومركبات القوات العمومية، فضلا عن إحالة متابعين آخرين أمام القضاء بمدينة الناظور على خلفية أحداث بني أنصار.

عنف متبادل وانتهاكات محتملة

وسجل التقرير وقوع مواجهات عنيفة بين بعض الشباب والقاصرين من جهة والقوات العمومية المغربية من جهة أخرى أثناء محاولات منع العبور، رافقتها أعمال رشق بالحجارة وإضرام النار في مركبات وإلحاق أضرار بممتلكات عامة وخاصة.

وفي المقابل، وثق المجلس شهادات لعائدين تحدثوا عن تعرضهم لسوء معاملة واعتداءات من طرف عناصر أمنية إسبانية، خاصة في أماكن لا تغطيها كاميرات المراقبة، كما رصد آثار ضرب وندوب على أجساد عدد من الشباب.

و أشار إلى تداول واسع لفيديوهات وصور مضللة، بينها حالة أعيد تشكيل جزء من مشاهدها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى نشر صور لا علاقة لها بالوقائع، وهو ما اعتبره المجلس مثالا على حجم التضليل الذي رافق الأحداث.

جماعات متطرفة وخطاب كراهية

ومن بين أخطر الوقائع التي وثقها المجلس، وصول عناصر من مجموعة متطرفة تطلق على نفسها اسم “النواة الوطنية” إلى سبتة، حيث دعا أفرادها إلى “الدفاع عن المدينة” في مواجهة ما وصفوه بـ”الغزو”، قبل أن توثق تسجيلات مصورة قيامهم بمطاردة وتهديد والاعتداء على وافدين وسكان مسلمين داخل المدينة.

كما انتقد المجلس قرار السلطات المحلية بسبتة إغلاق المتاجر والمقاهي والمطاعم، معتبرا أن ذلك أدى إلى حرمان آلاف العابرين، بمن فيهم أطفال ونساء، من الحصول على الماء والغذاء، وهو ما وصفه بمساس بحقوق أساسية.

قيود على التنقل داخل المغرب

وفي المقابل، سجل المجلس فرض السلطات المغربية قيودا على تنقل أعداد كبيرة من الشباب نحو مدن الشمال، من خلال توقيف رحلات للحافلات والقطارات في عدد من المدن، كما أثار تساؤلات بشأن مدى احترام قواعد الضرورة والتناسب في استخدام القوة أثناء منع العبور.

وأكد أنه سيحيل إلى النيابة العامة إحدى الحالات التي وثقها والمتعلقة بتهديد السلامة الجسدية لشخص من طرف أحد أفراد القوات العمومية، بعد الاستماع إليه والتحقق من ملابسات الواقعة.

دعوة إلى فهم أعمق للظاهرة

وفي خلاصة تقريره الأولي، شدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان على أن أحداث العبور لا يمكن تفسيرها حصريا بعوامل الفقر أو الهشاشة الاجتماعية، معتبرا أن شهادات عدد من الشباب والقاصرين تكشف عن تحولات عميقة في التطلعات الفردية، وفي نظرتهم إلى الهجرة، في ظل تأثير متزايد للفضاءات الرقمية التي تتجاوز منطق الحدود التقليدية.

كما حذر من الاستغلال السياسي للأحداث، ومن تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية تجاه المهاجرين، داعيا إلى مواصلة التحقيق في جميع الوقائع، وضمان احترام حقوق الإنسان، والكشف عن مصير الضحايا، وتحديد المسؤوليات، مع اعتماد مقاربة شاملة تعالج الأسباب المركبة التي دفعت آلاف الأشخاص إلى خوض هذه المغامرة الجماعية.

 

 

 

 

 

 


 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار