إن شئنا التوغُّل فيما يعتري الشرق الأوسط الآن من بلبلة فكرية وشعورية ترافق هذه المرحلة شديدة الاهتزاز، فلن نجد أكثر تعبيراً عنها من الحالة اللبنانية. لسببين أساسيين: الأوّل احتواء المكان اللبناني على قدر كبير من الجماعات المتباينة الآراء والمشاعر إلى حدّ بعيد. والثاني حريّة الرأي المكرّسة في لبنان منذ عقود طويلة، التي زادها تشعّباً وجموحاً ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وغزوها الفضاء الخاص والعام.
ويعمد المتطرّفون من كلّ الجهات إلى إذكاء نار التعصّب والتهجّم والتجريح، بلا رادع، تنفيساً لاحتقان نفوسهم وهيجانها، وسعياً لكسب القدر الأقصى من المؤيدين والمتضامنين، ليس في لبنان فحسب، بل في أنحاء المنطقة أيضاً؛ حيث تنتشر على أوسع نطاق المواقف المتضاربة نفسها.
مع ذلك، الصورة كثيرة الوضوح لمن يملك عينين ناظرتين وعقلاً راجحاً. إن 77 عاماً (منذ انقلاب حسني الزعيم العسكري في سوريا عام 1949 حتى الآن) من الطريقة نفسها في استعمال شعار «تحرير فلسطين»، إنْ لتبرير الانقلابات العسكرية المتوالية في مرحلة أولى، أو في مرحلة ثانية لاستغلال فسحة الحريّات اللبنانية الفريدة في المنطقة، للدعوة إلى محاربة إسرائيل من جنوب البلد الصغير من دون سواه، في غياب بلاد العرب الشاسعة والـ500 مليون نسمة التي تضمّها، قادت إلى كوارث عظمى، خصوصاً في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها، التي اجتاحها الاستبداد والقمع والفساد وسرقة الحاكمين الثروات الوطنية، وتفشي الحروب الأهلية، وتعقيم قوى المجتمع الحيّة، إلى مأساة غزة، وقبلها تدمير لبنان، ونقله من وضعية «سويسرا الشرق» إلى قعر الهاوية. ذلك كله تحت شعار «تحرير فلسطين»، بينما، على مدى هذه الـ77 عاماً، لم تخسر إسرائيل شبراً من الأراضي، بل زادت توسّعاً وازدهاراً وقوّة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية.
ألا يستدعي هذا الانهيار التاريخي المهول، ولو على الأقل، وقفة تأمّل ومراجعة ونقد ذاتي واحدة من قبل صانعيه؟
كلا، إطلاقاً. على العكس من ذلك، يستمرّ المشروع الإيراني، ومعه مناصروه من «إخوان مسلمين» وبقايا بعثيين سوريين وبقايا شيوعيين وماركسيين وسوريين قوميين، وقوى سياسية لبنانية من طوائف عدّة ذهبت بعيداً في تعاملها مع الهيمنتين البعثية السورية والإيرانية على لبنان، يستمرّ في تبرير ماضيه وحاضره بشدة كأنّ شيئاً لم يكن، في حالة من الجمود الفكري والشعوري المطبق. وأكثر من ذلك، لا تتردّد هذه القوى في مهاجمة من ينتقدون مساراتها وما أدّت إليه، وفي وصفهم بالمتصهينين وسوى ذلك من نعوت. ولا تتردّد هذه القوى أيضاً في وصف المشروع اللبناني، صانع «سويسرا الشرق» (وهو الإنجاز التاريخي الوحيد في هذه الأرجاء) باليميني والانعزالي والرجعي، وكأن الجماعة الإيرانية والجماعة الإخوانية والجماعة البعثية الأسدية وحلفاءها في لبنان هم رمز اليسار التقدّمي والإنساني، وعنوان الحريات واحترام الحياة البشرية في المنطقة والعالم.
وإذا ذهبنا أبعد من ذلك في رحلة التوغّل بهذا الاضطراب، نصل إلى حالات مدهشة في تناقضها وهَوَسها، في بلد عانى ما عاناه من الأزمات والحروب والويلات على مدى نصف قرن (من الدخول العسكري السوري إلى لبنان عام 1976 حتى اليوم)، في ظلّ الهيمنتين الأسدية والإيرانية. نجد العنف اللفظي الحادّ في بيئة المحور الإيراني، نتيجة الانتقال المتسارع من وضعية مواطني الدرجة الأولى إلى وضعية النزوح.
وبدلاً من أن يتّجه هذا العنف نحو إسرائيل، يصبّ جام غضبه على أطراف الداخل اللبناني. كذلك الجماعات اللبنانية الأخرى المتحالفة مع المحور الإيراني، التي تخشى فقدان الامتيازات المادية والمعنوية، التي أولاها إياها تأييدها الطويل للوجود السوري أو الإيراني في لبنان، أو الاثنين معاً، كما تخشى المحاسبة، تتحدّث بلغة شديدة التوتّر والحدّة. وهناك الذين ينطلقون من عدائهم أو تأييدهم لمختار القرية أو رئيس بلديتها، لصوغ موقفهم السياسي والعاطفي النهائي من كل ما يجري في المنطقة. وهناك «أعداء» نمط العيش اللبناني الذين، على الرغم من ذلك، لا يقوون على مفارقة لبنان يوماً واحداً لخوض تجربة العيش البعثية السورية أو الخمينية الإيرانية في موطنيها. وهناك أخيراً الذين يكنّون «عداءً» لا هوادة فيه للغرب، خصوصاً الأميركي منه، بينما جلّ آمالهم إرسال أولادهم للدراسة أو العمل في الولايات المتحدة أو أوروبا، وطموحهم الكبير الحصول على جنسية تلك البلدان... ولله في خلقه شؤون.

