تستعيد مدينة أصيلة المغربية هذه الأيام إيقاع موسمها الثقافي، وتفتح أبوابها مرة أخرى للمثقفين والكتاب والفنانين والسياسيين القادمين من المغرب والعالم العربي وخارجه. لكن السؤال الذي تطرحه أصيلة، بعد نحو نصف قرن من تجربتها، يتجاوز برنامج موسم ثقافي أو عدد المشاركين فيه: كيف استطاعت مدينة صغيرة على الساحل الأطلسي أن تصبح اسماً كبيراً على الخريطة الثقافية العربية والدولية؟
بدأت الحكاية عام 1978، حين أطلق محمد بن عيسى ومحمد المليحي، ومعهما مجموعة من المثقفين والفنانين، تجربة بدت في بدايتها شديدة البساطة: أن يدخل الفن إلى المدينة، وأن تتحول جدرانها القديمة إلى فضاء للرسم، وأن يشارك السكان في إعادة اكتشاف المكان الذي يعيشون فيه. كانت أصيلة القديمة تعاني آنذاك تراجعاً عمرانياً وإهمالاً في بعض مرافقها، فجاء الفن جزءاً من مشروع لإعادة الاعتبار إلى المدينة، لا زينة موسمية معلقة على جدرانها.
وتتمتع أصيلة بفرادة التجربة، فهي لم تبنِ متحفاً ضخماً لكي تصبح مدينة للفن، ولم تحتج إلى بنية مدينة كبرى لكي تستضيف حواراً عالمياً. لقد فعلت العكس تقريباً: جعلت المدينة نفسها متحفاً، وحوَّلت الأزقة والساحات والجدران والبيوت إلى جزء من الفعل الثقافي. وأصبحت الجداريات التي تتجدد كل عام واحدة من العلامات البصرية للمدينة، في تجربة ربطت الفن بالفضاء العام وبالتنمية الحضرية والاجتماعية.
ومع السنوات، تجاوز المشروع الرسم والتشكيل. دخل إليه الشعر والرواية والفكر والسياسة وقضايا العلاقات الدولية. وأنشئت جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، ثم مؤسسة منتدى أصيلة عام 1997، ليصبح اللقاء مساحة يجلس فيها الفنان إلى جوار السياسي، والمفكر إلى جوار الدبلوماسي، والشاعر إلى جوار الباحث.
وكان محمد بن عيسى يصر على وصف أصيلة بأنها «مشروع ثقافي» وليست مجرد مهرجان. وهذا التمييز مهم، لأن المهرجان ينتهي عادةً بانتهاء أيامه، بينما المشروع يترك أثراً في المكان والناس والمؤسسات.
وإضافةً إلى أن أصيلة قدمّت نموذجاً للثقافة بوصفها أداة لترسيخ «القوة الناعمة»، فإن تجربتها تقف إلى جانب تجارب عالمية جعلت الثقافة وسيلة لإعادة تعريف المدن. من «إدنبرة» التي صنعت من مهرجاناتها هوية دولية، إلى «أفينيون» في فرنسا، أحد أعرق وأشهر المهرجانات المسرحية في العالم، و«هايي أون واي» الويلزية التي تحولت من بلدة صغيرة إلى عنوان عالمي للكتاب، حتى أصبحت تُعرف باسم «مدينة الكتب» نظراً إلى احتوائها على عشرات المكتبات المتخصصة في بيع الكتب المستعملة والنادرة. الفارق أن أصيلة قدمت صيغة نابعة من بيئتها المغربية والعربية والأفريقية، فلم تستورد نموذجاً جاهزاً، بل صنعت نموذجها الخاص.
ومعلوم أن الاختبار الحقيقي لأي مشروع ثقافي هو قدرته على البقاء بعد مغادرة مؤسسيه. وبالنسبة لأصيلة، فقد وضع رحيل محمد بن عيسى عام 2025 تجربتها أمام الاختبار. فالرجل لم يكن مؤسساً للموسم فحسب، بل ظل لعقود أحد أهم محركاته وصناع شبكته الدولية. ومع ذلك، ها هي الدورة السابعة والأربعون تنعقد هذا العام، بين 2 و18 أكتوبر (تشرين الأول)، حاملةً معها نقاشات تتصل بالتنمية والطاقة، ومستقبل العالم العربي وأفريقيا حتى 2030، إلى جانب الأدب والشعر والفنون التشكيلية، وتكمل مشوارها تحت إدارة الزميل حاتم البطيوي.
لقد برهنت أصيلة، هذه المدينة الصغيرة؛ على أن الثقافة تستطيع أن تنتج نفوذاً لا توفره الجغرافيا ولا عدد السكان. بل يمكن للثقافة أن تعيد صناعة هوية للمكان، وأن المدن لا تحتاج دائماً إلى المصانع والأبراج والمشروعات العملاقة لكي تدخل الخريطة العالمية. أحياناً تحتاج إلى فكرة، وإلى أشخاص يؤمنون بها، وإلى وقت طويل كي تتحول الفكرة إلى تقليد، والتقليد إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى هوية.
بعد سبعة وأربعين موسماً، لم تعد أصيلة تلك المدينة التي تستضيف موسماً ثقافياً. أصبح موسمها الثقافي والفني جزءاً من تعريف المدينة لنفسها، وأصبحت أصيلة نفسها دليلاً على أن الثقافة، حين تغادر القاعات المغلقة وتدخل حياة الناس، يمكنها أن تغيّر صورة المكان ومصيره، وتجعله صلة الوصل بالعالم وبالثقافات المتنوعة.

