سارة النومس
عاش الناس قديماً على شكل جماعات في الغابات والصحراء والجزر وغيرها، حتى تطورت الحياة إلى الشكل الذي نراه اليوم. دائماً أسأل: إذا كانت المنظمات تحذرنا باستمرار من أزمات غذاء ومياه متكررة، فكيف عاش الإنسان قديماً؟ أعني أن الأرض تجدد نفسها، وتستخرج الثروات الطبيعية ومصادر المياه المتنوعة ودخلت الآلة وساعدت. تلك التصريحات تهدف إلى التخويف وإظهار خطورة زيادة عدد السكان المتزايد. هل سمعت عن المليار الذهبي؟ اسمع عنه. لا تخف، فقد قسم الله الثروات في الأرض بطريقة عادلة، لكن الإنسان يحب إثارة الجدل في كل شيء.
الميزانيات تُصرف بشكل كبير على التدمير في العالم بدلاً من تطوير الآليات ونشر العلم بشكل أكبر بدلاً من محاربة دول لدول متطورة أكثر منها في العلم وقتل علمائها. على سبيل المثال، الحرب التي تحدث اليوم أدت بشكل مباشر إلى توقف بعض الأسواق التجارية وعرقلة نقل البضائع وبيع النفط الخليجي. جميعها أسباب بشرية متعمدة، فلماذا تُنشر التقارير التي تحذر من ندرة الثروات وقلتها للناس؟
من جهة أخرى وعلى سبيل المثال شركة يديرها شخص سيئ الإدارة، طرد الكثير من العمال واستقال البعض الآخر، وبقي من يرضى حتى يعيل أسرته. وبعد انتشار سمعتها السيئة في الأوساط التجارية، تقوم الشركة بتغيير مجلس الإدارة. في هذه الأثناء تبحث الشركات بصورة دقيقة عن أشخاص يملكون أفكاراً وخططاً تُنفذ لتنجح لا لتُجرَّب، فسمعة الشركة على المحك ولم يتبقَّ إلا القليل لانهيارها. وهذا ما يحدث عندما تأتي إدارة جديدة تضع الخطط الذكية وتدير الموارد بصورة معقولة حتى تستعيد الشركة عافيتها وتبدأ من جديد بالربح ومنافسة الشركات الأخرى في السوق.
عندما يقول شخص ما إنه يعاني من الفقر، ويصرف على نفسه وبيته بالمعقول، ثم يسافر في المقابل إلى أكثر الدول السياحية تكلفة ويقود سيارة باهظة الثمن، فهذه علامات تدل على عكس الحالة التي يتحدث عنها. لذلك تعرف صدق الشخص من تصرفاته وأسلوب حياته، لا من أقواله فقط.
عزيزي القارئ، إننا جميعاً نتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن أي وضع بيئي سلبي يحدث. والشخص الذي يهتم حقاً لا يكتفي بنصح الآخرين. ولأننا ولدنا وتعودنا أن تكون الملعقة الذهبية في أفواهنا، لم نقبل تحمل المسؤوليات، إلا إذا كلف الوالدان نفسيهما ببث روح المثابرة وبذل الجهد وتحمل الأعباء. قال لي أحدهم: «سأكمل عامي هذا حتى أكون مؤهلاً للترقية، وقد كلف والدي فلاناً وفلاناً كي يتوسطا لي للحصول عليها». بيني وبين نفسي قلت: ماكو «إن شاء الله»؟ ماكو «سأجتهد لأكون كفؤاً لهذا المنصب»، تلك الشخصيات المدللة التي تنتظر من الآخرين أن يصرفوا لها أمورها.
نعم، لاتزال تعيش بيننا هذه الشخصيات للأسف. وفي المقابل، هناك العديد من الشخصيات التي ترفض أن يقوم الآخرون بأعمالها ومهامها، وتسعى لتحمل المسؤولية كاملة. حينها أعلم أن والدي هذا الشخص المجتهد كانا متواضعين، وكلفا نفسيهما وقتاً وجهداً لتعليمه أن يكون إنساناً على قدر من المسؤولية، وأن الوطن ليس المكان الذي نعيش فيه لنأخذ فقط، وإنما لنعطي أيضاً الجهد لتعميره ورفعة شأنه، ولكي يكون هناك متسع من الأمن والرخاء للأجيال التي ستأتي بعدنا، بدلاً من كثرة الكلام عن أفضل جيل والشريط المحروق الذي مللنا من سماعه.
الأسرة مؤسسة معقدة، وصعب على كثير من الأسر استيعاب أن تهيئة الفرد لا تكون فقط بتربيته، بل أيضاً بتعليمه احترام وطنه والمحافظة على ثرواته.
فكر كإنسان مسؤول، لا كإنسان مدلل.

