: آخر تحديث

الطبيب الذي لا يجب أن نخسره

2
2
2

تخطو المنظومة الصحية نحو أفق غير مسبوق من النمو والتوسع مدفوعة باستثمارات ضخمة في البنى التحتية والتقنيات والشراكة الفاعلة مع القطاع الخاص، وهو مكسب وطني يرفع سقف المنافسة ويحطم الاحتكار، غير أن هذا الصخب التطويري يخفي خلفه نزيفاً صامتاً يهدد العمود الفقري للمنظومة؛ فبينما تُبنى المستشفيات في أشهر، تفرغ القاعات والعيادات من عقول وطنية استثمر الوطن في صناعتها عقوداً، لتتساءل الأسوار العسكرية والأمنية والمدنية بمرارة عن مصير حماية الطبيب الاستشاري من إغراءات السوق والبيئة البيروقراطية.

إن الكفاءات الطبية ليست سلعاً، فالطبيب الاستشاري في التخصصات الدقيقة ليس موظفاً يُقas أداؤه بساعات الحضور والانصراف، إنما هو حصيلة عقود من السهر، والزمالات الدولية، وآلاف العمليات الحرجة، وشبكة من الوعي السريري الذي يتجاوز البروتوكولات المكتوبة، ومن ثم، فإن مغادرته تمثل خسارة فادحة للمريض الذي يجد نفسه تائهاً في قوائم انتظار طويلة، مفجوعاً بفقدان طبيب رافق تفاصيل مرضه، وحين نترك هذه الخبرات تتسرب بحثاً عن بيئة تقدّر المعنى الحقيقي للاستقرار، فإننا نفرّط في أمن صحي استراتيجي تكلفت خزينة الدولة أثماناً باهظة لتأسيسه.

كما أن المدارس الطبية التي أنشأتها القطاعات الصحية الحكومية والعسكرية, قامت على سواعد وتجارب أولئك الرواد الذين صنعوا التميز في جراحات الدماغ المجهرية، وروبوتات القلب، وزراعة الأعضاء، ولذلك فإن مقاربة هذا النزيف تقتضي شجاعة في التشخيص؛ فالمال وحده ليس هو الفيصل رغم أهميته، لأن الكفاءات الكبرى تبحث عن بيئة خالية من الروتين القاتل، واستقرار إداري يحترم عقلها، وتقدير مهني ومسار وتطوير حقيقي لا يقف عند حدود الترقيات الشكلية، فحينما تُعامل التخصصات النادرة بالطريقة الإدارية نفسها التي يُعامل بها الموظف الإداري العادي، فإننا نوقع شهادة وفاة للتميز المؤسسي.

ولمقاربة هذا النزيف ووضع حد لتسرب العقول، تبرز الحاجة الملحة لحلول جذرية وعملية، في مقدمتها مراجعة العمل بالسلم الوظيفي الموحد للأطباء الذي يقتل التميز؛ إذ لا يمكن بحال أن يتساوى راتب الاستشاريين بمختلف تخصصاتهم، ولا يمكن أن يتطابق راتب طبيب استشاري يقف على قدميه اثنتي عشرة ساعة متواصلة في عمليات دقيقة وعالية الخطورة مع راتب طبيب استشاري في عيادة اعتيادية، فهناك مهارات شخصية وتخصصات فارقة تستوجب حوافز وعوائد مالية عادلة تتناسب طردياً مع حجم المخاطر والجهد المبذول.

إن صناعة استشاري يمتلك حكمة المشرط وفلسفة العلاج تتطلب عمراً كاملاً، وحين يدرك صناع القرار أن الاستثمار الحقيقي هو في العقول لا في الأجهزة الخرسانية، ستتغير سياسات الاحتفاظ بالكفاءات لتصبح درعاً يحمي المريض والوطن معاً من خسارة فادحة لا تعوض.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد