: آخر تحديث

دورة الكرم

3
2
3

سهوب بغدادي

(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: 39] تتعدد الآيات في القرآن الكريم عن فضل الصدقات والإيثار والعطاء، فالرازق الكريم جل في علاه وعد عباده المنفقين بالخلف والعوض ولو بعد حين، وكذا نعيش في هذه الحياة لنعطي ونبذل ونمنح مالدينا، فالعطاء ليس حكرًا على المال، بل هناك عطاء الوقت والمشاعر المختلفة والمعرفة والعلم النافع وغيرها، فمن يجود بمكنونات نفسه سيجد الفارق في حياة من جاد عليه وعلى نفسه أيضًا، إنّ هناك بعض من الكرماء الذين تعهدوا على أنفسهم أن يبذلوا كل ما وسعهم وبين أيديهم لإسعاد الغير وتحسين حياتهم، على ألا ينتظروا شيئًا في المقابل، ولسان حالهم «أنا أعطي ولا آخذ أبدًا» إذ يبدو المبدأ نبيلًا في أصله. بحسب الأستاذ في جامعة هارفارد آرثر بروكس المختص في تدريس مقرر السعادة، أن سبب تخصصه في هذا السياق نشأ من مفهوم التبرع أثناء عمله في حملات التبرعات في الجمعيات غير الربحية، حيث قام بإحصائية لبيانات المتبرعين فوجد أن من تبرع بأكبر المبالغ عوضها وازداد غنًى في العام المقبل، مما جعله يبحث ويتعمق أكثر في هذه المفارقة، ليستنتج أن من يعطي يشعر بالسعادة والأمل فينعكس ذلك على طاقته وجهده في العمل وإحساسه بالمعنى، ونقول في ديننا الإسلام أن البركة طرحت في الرزق المقسوم لك ولغيرك من مالك، فمالك في حسابك البنكي ليس مالك بأكمله بل هناك جزء لغيرك منك، كالأبناء والأسرة والأصدقاء والفقراء.

والأثر هنا رباني إلهي من آثار رحمة الله بعباده، يقول بروكس، إنه كان يعرف امرأة كبيرة في السن في غاية الكرم، كانت حاضرة في كل المناسبات السارة والحزينة والمرض، فهي من تقدم لك الحساء الدافئ عندما تمرض، وهي من تقوم بدعوتك إلى منزلها لتناول الطعام إلا أنها ترفض رفضًا باتًا أن تأخذ منك كأس من الماء! وعند موتها وجد أهلها وصيتها بأن يتم التبرع بجسدها لمعمل الطب التشريحي بغرض تعلم الطلاب، وألا يتم عمل مراسم عزاء لها حتى لا تكلف على ذويها، بهذا الفعل كانت تظن أنها لن تتسبب في تعب الناس وأن تكون معطاءة حتى آخر لحظات حياتها على البسيطة، إلا أن هذا الفعل تسبب في حزن أهلها لأنهم لم يتمكنوا من توديعها بشكل جيد أو الاجتماع على محبتها في مكان واحد.

من هذه القصة ذكر بروكس أنك عندما تكون كريمًا تسعى لترك الأثر لدى الشخص فعندما يتأثر الشخص المقابل فعلًا ويسعى للعطاء تقوم برفضه، وذلك يتنافى مع الكرم، عندما تستأثر بكل شيء وإن كان جيدًا ولا تدع مجالًا لغيرك لكي يشعر بذات الإحساس، بالتأكيد، إن هناك فارقا بين الأخذ والإستغلال؛ فعلى الشخص أن يعرف متى يعطي ويتوقف، في المواضع المختلفة، لذا سأل أحدهم أستاذ السعادة عماذا يستطيع أن يأخذ من مشرد في مدينة نيويورك لكي يجعله يشعر أنه قدم له شيء مقابل المال أو الطعام، فقال: تستطيع أن تسأله ماذا يريد كوجبة ساخنة وغيرها، ثم تقول له، هل يمكنك أن تقدم لي معروفًا؟ فسيستغرب الشخص المعدم عما يملكه في تلك اللحظة، «اشملني وعائلتي في دعائك فنحن بحاجة إليه» فيبتهج الشخص لأنه يعلم أنه هنا ليس مدين، بل متساوٍ في العطاء، فماذا لو طبقنا هذا المبدأ في يومنا العادي الأم تطلب من ابنتها المساعدة، والأب يطلب من ابنه النصح، وغيرها من أوجه العطاء من منابع مختلفة، جميل أن تكون كريمًا والأجمل أن تجعل العطاء دورة مستمرة لا تتوقف لديك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد