منيرة العصيمي
في فصله الأخير «الاستعارة وعلم النفس»، يروي جيمس غيري تجربة الفقد بعد وفاة والدته حين قال: «بقعة صغيرة من ذكريات أمي» وحين سأله معالجه النفسي عن شعوره، أجاب: «إنه في كل مكان، كالغطاء الخفيف، غير الملحوظ لأنه خفيف جدًا. إنه لا شيء تقريبًا، مثل ورق الجدران». لكن كلما تحدث عن أمه أكثر، بدأت الصورة تكتسب ألوانًا أوضح، وكأن المشاعر لم تجد طريقها إلى الظهور إلا بعد أن استعارت صورةً أخرى تحملها.
ومن هنا ينطلق جيمس غيري إلى أن الاستعارة ليست مجرد وسيلة أدبية يستخدمها الشعراء في التغني بالمحبوبات، بل هي حاضرة في أحاديثنا اليومية، ورسائلنا، وخطاباتنا السياسية، وفي الطريقة التي نصف بها أكثر تجاربنا خصوصية. إنها، كما يقول، تحصي علينا أنفاسنا. ولكن، هل يستخدم الإنسان لغة مباشرة ومحايدة إذا أراد أن يصف تجربة نفسية بعينها أم أن العقل يلجأ من تلقاء نفسه إلى الصورة والاستعارة ليقترب مما يعجز عن قوله؟
يجيب جيمس غيري عن ذلك من خلال صديقته ريبيكا، التي تجد صعوبة في فهم الاستعارات، حتى إنها تحمل معها قاموس أسبرجر للتعابير اليومية. كانت تقول إن الآخرين يرونها غريبة؛ لأنها لا تتخيل «فيلًا في الغرفة»، ولا ترى «التفاحة في عين أحدهم». عندها أدركت أن الاستعارة هي جزء من التواصل الإنساني نفسه، وأنّ غيابها قد يحرمها من فهم الكثير مما يقوله الناس كل يوم.
وإذا كانت الاستعارة تجعل التواصل ممكنًا، فإن الفن يكشف قدرتها على إعادة تشكيل الواقع. فقد وجد بابلو بيكاسو عنزته الشهيرة في كومة من الخردة. صنع ضرعها من إبريق معدني مهمل، وقفصها الصدري من سلة خوص قديمة، ثم وصف طريقته بقوله: «إنني أتبع طريق العودة من السلة إلى القفص الصدري؛ من المجاز إلى الواقع… فأنا أجعل الواقع مرئيًا؛ لأنني أستخدم الاستعارة».
ولعل هذا ما قصدته الشاعرة الأمريكية ماريان مور حين رأت أن الشاعر الحقيقي هو من يربط الصورة الخيالية بالواقع، فيخلق «حدائق وهمية مليئة بالضفادع الحقيقية». فالاستعارة، في الحالتين، هي طريقة أخرى لرؤية الواقع.
لكن هل يقتصر أثر الاستعارة على الفن والإبداع؟
يرى جيرالد إيدلمان في كتابه (الطبيعة الثانية: علم الدماغ والمعرفة البشرية) أنّ العقول لا تعمل بالمنطق وحده، بل بالتعرّف على الأنماط. وهذه العملية لا تبلغ دقة المنطق والرياضيات، لكنها أوسع مدى وأكثر قدرة على اكتشاف العلاقات. لذلك بقيت الاستعارة، رغم ظهور وسائل التفكير الدقيقة، أحد أهم مصادر الخيال والإبداع في حياة الإنسان.
ويصف كارل يونغ هذا الأمر بقوله: «عندما نركز على الصورة الداخلية، ونحرص على ألا نعيق التدفق الطبيعي للأحداث، فإن اللاوعي ينتج سلسلة من الصور تصنع حكاية متكاملة». ولعل هذا ما يجعل بعض الاستعارات تختصر خبرة كاملة في عبارة واحدة. ومن أجمل الأمثلة التي يوردها جيمس غيري قول الشاعر الأمريكي روبرت فروست: «البنك مكان يقرضك مظلة حين يكون الطقس صحوًا، ويطالبك بها بمجرد أن يسقط المطر». فالاستعارة هنا تكشف الفكرة؛ إذ يعثر العقل على علاقة غير متوقعة بين شيئين متباعدين، فيولد منها معنى يصعب أن تؤديه اللغة المباشرة.
وفي السياق نفسه، تأتي مقالة ديدرو «ندمت على فراق ردائي القديم»، التي تبدو في ظاهرها حديثًا عن رداء، لكنها في حقيقتها تتأمل أثر الثراء في حياة الإنسان. ولذلك كتب: «كنت سيدًا لملابسي القديمة، لكنني أصبحت عبدًا لردائي الجديد». هذه الاستعارة التي تتجاوز الثياب إلى التحولات الإنسانية الداخلية.
ومن اللافت أن الاستعارة لا تقتصر على اللغة المنطوقة. ففي شمال كينيا، يستخدم بعض متحدثي التوركانا الإيماءات لنقل المعنى؛ وكأن الإنسان أينما كان، يبحث عن صورة تحمل ما تعجز العبارة المباشرة عن حمله. ولعل هذا ما جعل نيتشه يرى أن الحقيقة ليست سوى «جيش جرار من الاستعارات والكنايات والتشبيهات البشرية». تراكمت عبر الزمن حتى فقد الناس إحساسهم بأنها كانت، في أصلها، صورًا ابتكرها الإنسان لفهم العالم.
ولعل هذا ما دفع جيمس غيري إلى استحضار ما ذهب إليه بوانكاريه في كتابه «مبادئ العلوم» ، إذ رأى أن الإبداعات الكبرى لا تظهر دائمًا أثناء التفكير الواعي، بل تولد بعد فترة طويلة من العمل، حين ينحرف العقل عن مساره المألوف. واستعار تصور أبيقور لانحراف الذرات، فكما يتيح ذلك الانحراف للذرات أن تلتقي وتُحدث تغيرات جديدة، يتيح للعقل أن يقيم علاقات غير متوقعة بين الأشياء، فتولد الفكرة المبتكرة. ولعل هذا الانحراف الخلّاق هو ما يجعل الاستعارة في نظر جيمس غيري، إحدى أكثر طرائق العقل الإنساني أصالة في اكتشاف العالم.
وختامًا أحببت أن اختتم المقالة بمقولة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو «كل شيء يجب أن يرى كشيء آخر».
ولكن؛ هل نستطيع أن نرى العالم من دون الاستعارة؟

