: آخر تحديث

العدوى النفسية

1
1
1

نعتاد اتخاذ التدابير الوقائية لحماية أجسادنا من الفيروسات والبكتيريا المادية؛ فنحرص على التعقيم والتطهير لتجنب الإصابة بالعدوى الجسدية، لكن هل تساءلنا يوماً عن تلك الفيروسات غير المرئية التي تتسلل إلى عقولنا وقلوبنا في غضون ثوانٍ معدودة دون أي تلامس مادي؟ تُعرف هذه الظاهرة في علم النفس العصبي بـ"العدوى النفسية" (Psychological Contagion)، وهي مفهوم علمي يفسر كيف تتشارب النفوس البشرية المشاعر، والأفكار، وحالات القلق أو البهجة، لتنتقل من شخص إلى آخر بسرعة وتأثير قد يفوقان بعض الأمراض الانتقالية.

علمياً، لا تقتصر العدوى على الجوانب المادية، بل تمتد لتشمل المحاكاة التلقائية واللاواعية للمشاعر والتعبيرات غير اللفظية، فعندما تجلس بجوار زميل يعاني من التوتر الشديد والتأفف المستمر، تجد بعد فترة وجيزة أن طاقتك الذهنية قد استُنزفت بالكامل، وبدأت تظهر عليك علامات الإرهاق والضيق دون وجود سبب مباشر يخصك، وعلى العكس تماماً، فإن التواجد في محيط يضوع بالضحك والتفاؤل المتقد كفيل برفع معنويات المجموعة بأكملها، هذه الظاهرة ليست مجرد انطباع عاطفي عابر، بل هي عملية بيولوجية عصبية موثقة ودقيقة.

يعزو علماء الأعصاب هذه الظاهرة بشكل رئيس إلى نشاط خلايا متخصصة تُعرف بـ"العصبونات المرآتية" (Mirror Neurons) في الدماغ البشري، حيث تعمل هذه الخلايا كمرآة عصبية دقيقة تحاكي وتلتقط الإشارات الصادرة عن الآخرين؛ بدءاً من تعابير الوجه الدقيقة ونبرة الصوت، وصولاً إلى إيماءات لغة الجسد، لقد صُمم الدماغ تطورياً ليفهم الآخرين ويستشعر آلامهم وآمالهم لتعزيز التواصل الاجتماعي وفرص البقاء، غير أن هذه الخصائص البيولوجية ذاتها تفتح الباب على مصراعيه لامتصاص الحالات المزاجية والنفسية للمحيطين بنا دون وعي كامل منا.

ولم تعد العدوى النفسية محصورة اليوم في التفاعل المباشر وجهاً لوجه؛ بل اتسعت رقعتها في العصر الرقمي لتتحول إلى ما يُعرف بـ "العدوى العاطفية الرقمية"، فالمنشورات المحملة بالغضب، أو الهلع، أو التوتر عبر منصات التواصل الاجتماعي تنتشر كالنار في الهشيم، مسببة حالة من القلق الجمعي لدى الملايين خلال لحظات معدودة، والخوارزميات الحديثة لا تكتفي بنقل الأخبار والمعلومات، بل تسهم في تشكيل المناخات النفسية وإعادة ضبط المزاج العام للمجتمعات، ممّا يحوّل التفاعل الرقمي اليومي إلى وسيط فعال لنقل الإجهاد الانفعالي.

أمام هذا التدفق المستمر للمشاعر الوافدة، تبرز أهمية بناء ما يُسمى بـ"المناعة النفسية"، ولا يعني ذلك الانعزال التام عن البشر أو تجريد الذات من التعاطف معهم، بل يتطلب منا رفع مستوى الوعي الذاتي للفصل بين مشاعرنا الأصيلة وتلك المشاعر التي نلتقطها عفوياً من الآخرين، إن ممارسة اليقظة الذهنية، ووضع حدود صحية للتعرض للمحيطات السلبية، والانتقاء الواعي للبيئات والأصدقاء، تُشكل جميعها خطوط دفاع أساسية لحماية الاستقرار النفسي والصحي.. يقول عالم الاجتماع غوستاف لوبون: "إن المشاعر داخل الجماهير تنتشر كالأوبئة، وتنتقل من شخص إلى آخر بالعدوى لا بالفكر".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد