: آخر تحديث

في حفل الشريك الأدبي

1
1
1

لطالما آمنت أن الثقافة لا تُقاس بعدد الكتب التي نطبعها، ولا بعدد الأمسيات التي نحضرها، وإنما بعدد الأرواح التي تغيّر اتجاهها كلمة واحدة، فالكلمات العظيمة لا تبحث عن قارئ جديد فحسب، وإنما تبحث عن إنسان جديد أكثر اتساعًا للحياة وأكثر قدرة على الإصغاء إلى الآخر، وأكثر استعدادًا لأن يرى وطنه بعين الجمال.. من هنا بدا لي برنامج الشريك الأدبي وهو يعبر دورته الخامسة، مشروعًا يتجاوز الفعالية إلى الفلسفة، ويتجاوز الاحتفاء إلى البناء، فمنذ دورته الأولى وهو ينسج خيطًا هادئًا بين الأدب والمجتمع، حتى غدت الثقافة تغادر مقاعد المتخصصين إلى رحابة الناس، وتمضي من المنصة إلى الشارع، ومن القاعة إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى بدا لنا أنه برنامج يحاول أن يصب لنا الثقافة في كوب قهوة «بحسب تعبير الكاتبة فاطمة المزيني»، فتستعيد الثقافة بالتالي وظيفتها الأولى بوصفها أسلوبًا للعيش قبل أن تكون موضوعًا للحديث.. في الحفل الختامي الذي شرفني المنظمون بدعوة لحضوره، لم أشعر أنني أحضر نهاية دورة، وإنما أشهد اكتمال موسم جديد من مواسم الوعي، كانت الوجوه القادمة من مختلف مناطق المملكة تشبه جداول صغيرة انتهت جميعها إلى بحر واحد حيث تحمل ذاكرة المكان ونبرته وحكايته، ثم تمتزج في هوية وطنية تعرف كيف تصنع من التنوع وحدةً أكثر ثراءً، ومن الاختلاف مساحةً أرحب للتعارف والإبداع.

ولعل أجمل ما في هذا البرنامج أنه لم يترك الشراكة عنوانًا إداريًا يزيّن الأوراق، وإنما منحها روحًا تتحرك في كل التفاصيل، في التنظيم الذي ازداد نضجًا عامًا بعد عام، وفي الحضور الذي أصبح جزءًا من المشهد الثقافي المنتظر، وفي النشر الذي أنقذ كثيرًا من اللحظات الجميلة من النسيان، وفي الإثراء المعرفي الذي جعل اللقاءات تتجاوز حدود الاحتفال إلى إنتاج الأفكار، وفي تلك العناية الصادقة بالمواهب الجديدة التي وجدت من يفتح لها النافذة الأولى على الضوء، فالكتابة، في بداياتها، تحتاج بلا شك إلى يد تمتد إليها بالثقة ولهذا كانت رعاية المواهب واحدة من أجمل الرسائل التي حملها البرنامج، لأنه لم يكن يحتفي بمن وصلوا فحسب، وإنما كان يصنع القادمين أيضًا، ويمنح أصواتهم فرصة أن تتعرف إلى نفسها قبل أن يتعرف إليها الآخرون، وخلال خمس دورات، بدا البرنامج وكأنه يكتب سيرته الخاصة بحبر التجربة، لم يكن التراكم فيه تكرارًا، وإنما نموًا طبيعيًا لفكرة آمنت بأن الثقافة لا تزدهر بالمبادرات العابرة، وإنما بالعمل المستمر، وبالصبر على صناعة الإنسان، فالاستثمار الحقيقي يبدأ من العقل، وما يُغرس في الوعي يبقى أطول عمرًا مما يُغرس في الحجر.

خرجت من الحفل وأنا أكثر يقينًا بأن الأدب لا يعيش داخل الكتب وحدها، وإنما يعيش في العلاقات التي يصنعها، وفي الجسور التي يقيمها بين الناس، وفي ذلك الشعور العميق بأن الجمال مسؤولية عامة، وأن الكلمة حين تجد المؤسسة التي تؤمن بها، والمجتمع الذي يحتضنها، تتحول إلى طاقة قادرة على إعادة ترتيب الحياة من الداخل، لهذا لم يكن الشريك الأدبي يحتفي بالأدب وحده، وإنما كان يحتفي بالإنسان وهو يتسع للأدب، وبالوطن وهو يكتشف أن الثقافة ليست ترفًا يجاور التنمية، وإنما روحها الخفية، والنبض الذي يمنح كل إنجازٍ معناه، وكل حلمٍ ذاكرةً تستحق أن تُروى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد