تتجاوز القضية الفلسطينية في هذه المرحلة حدود كونها ملفًا سياسيًا تقليديًا لتعود إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي بوصفها أحد أهم مفاتيح الاستقرار في الشرق الأوسط. فكلما تصاعدت الإجراءات الأحادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ازداد تعقيد المشهد السياسي، وتراجعت فرص الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة. ومن هذا المنطلق اكتسب الاجتماع الوزاري الذي استضافته العاصمة الأردنية عمّان، بمشاركة وزراء خارجية ومسؤولين من عدد من الدول العربية والإسلامية، أهمية سياسية تتجاوز نتائجه المباشرة، لأنه أعاد التأكيد على ثوابت القانون الدولي، ورسخ موقفًا عربيًا موحدًا تجاه القدس والقضية الفلسطينية في مرحلة تشهد تحولات إقليمية متسارعة.
وجاءت كلمة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان معبرة عن ثبات السياسة الخارجية للمملكة، القائمة على احترام الشرعية الدولية، وصون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والدفع نحو سلام عادل يحقق الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة. وقد حملت رسائل واضحة تؤكد موقف المملكة الرافض للإجراءات الإسرائيلية الأحادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وحرصها على الالتزام بقرارات الأمم المتحدة والمرجعيات الدولية ذات الصلة، بما يحفظ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وأكدت المملكة كذلك أن حماية القدس تمثل ركيزة أساسية لأي عملية سلام ذات مصداقية، انطلاقًا من المكانة الدينية والتاريخية التي تحظى بها المدينة، ومن ضرورة الحفاظ على وضعها القانوني والتاريخي، بما يصون مقدساتها الإسلامية . كما أدانت المملكة بأشد العبارات الانتهاكات التي يشهدها قطاع غزة، مؤكدة أن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني يمثلان مسؤولية جماعية لا تحتمل الانتقائية أو ازدواجية المعايير.
وتأتي هذه المواقف في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط إعادة تشكيل لتوازناته السياسية والأمنية، حيث أصبحت فرص الاستقرار مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بقدرة المجتمع الدولي على معالجة جذور الأزمات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. كما أن استمرار الإجراءات الأحادية لا ينعكس على الفلسطينيين وحدهم، وإنما يفرض تداعياته على الأمن الإقليمي بأكمله، ويحد من فرص بناء بيئة سياسية قادرة على استيعاب مبادرات السلام والتنمية والتعاون.
لقد برهنت المملكة خلال السنوات الماضية أن الدبلوماسية الهادئة والثابتة أكثر قدرة على صناعة التوافقات من سياسات التصعيد، وأن السلام الحقيقي لا يقوم على فرض الوقائع، وإنما على الالتزام بالقانون الدولي والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعوب. ومن هنا تبدو الرسائل التي خرج بها اجتماع عمّان امتدادًا لمسار عربي يسعى إلى تثبيت مرجعيات السلام، وحماية القدس، ووقف الانتهاكات، وإحياء حل الدولتين باعتباره الإطار الأكثر واقعية لتحقيق الأمن والاستقرار، وبناء مستقبل تتقدم فيه لغة الحوار على منطق القوة، وتستعيد فيه المنطقة فرصة طال انتظارها لصناعة سلام دائم وعادل.
وفي ظل التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، تسعى المملكة إلى ترسيخ معادلة جديدة قوامها أن الأمن الإقليمي لا ينفصل عن العدالة السياسية، وأن حماية المقدسات، واحترام القانون الدولي، وإحياء حل الدولتين، عناصر أساسية في بناء نظام إقليمي أكثر استقراراً.

