إيلاف من بغداد: يعيش المشهد السياسي العراقي حالة من الاستنفار غير المسبوق، بعد أن فجر الرئيس الأميركي دونالد ترمب قنبلة سياسية عبر منصته "تروث سوشيال"، معلناً فيتو صريحاً وعلنياً ضد عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى سدة الحكم. هذا التحذير، الذي تجاوز القنوات الدبلوماسية المغلقة ليتحول إلى "تهديد جهاراً"، وضع القوى السياسية الفائزة، لا سيما "الإطار التنسيقي"، في مأزق وجودي يهدد استقرار العراق المالي والسياسي قبل أيام من جلسة البرلمان الحاسمة لانتخاب رئيس الجمهورية.
تحذير من "اللا عودة" والانهيار المالي
ترمب، في رسالة حادة اللهجة، ربط مستقبل العراق الاقتصادي والأمني بشخصية رئيس الحكومة المقبل، مؤكداً أن واشنطن لن تقدم أي مساعدة لبغداد في حال عودة المالكي، الذي وصف سياساته السابقة بـ "المجنونة" والمؤدية للفقر والفوضى. وتذهب مخاوف بغداد إلى ما هو أبعد من مجرد "فتور دبلوماسي"؛ إذ لوّحت واشنطن عبر قنواتها الرسمية بإجراءات اقتصادية ومالية وصفتها مصادر حكومية بـ "الكارثية"، قد تشمل عرقلة وصول العراق إلى عوائد مبيعات النفط المودعة في البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو ما يعني شللاً تاماً للدولة التي تعتمد في 90% من ميزانيتها على الذهب الأسود.
المالكي بين "الاستهداف" و"العباءة الإيرانية"
من جانبه، سارع نوري المالكي إلى الرد عبر منصة "إكس"، رافضاً ما وصفه بـ "التدخل السافر" في الشؤون الداخلية. إلا أن هذا الرفض لم يخفِ الانقسام العميق داخل "الإطار التنسيقي" نفسه؛ فبينما يصر الجناح المؤيد للمالكي على المضي في ترشيحه كاستحقاق انتخابي، يرى تيار آخر ضرورة الانحناء أمام العاصفة لتفادي مواجهة خاسرة مع إدارة ترمب. وتبرز المفارقة التاريخية هنا في أن المالكي، الذي صعد إلى السلطة عام 2006 بدعم أميركي مطلق، بات اليوم في نظر واشنطن "الرجل الذي مهد لداعش" عبر سياسات طائفية إقصائية، والشخصية الأكثر قرباً من طهران على حساب المصالح الأمنية الأميركية.
سيناريوهات "الأحد" الحاسمة
ومع اقتراب موعد جلسة الأحد المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، تتبلور داخل أروقة "الإطار" لجنتان للتفاوض؛ الأولى تسعى لفتح قنوات مع "جهات مؤثرة" في واشنطن لتهدئة الموقف، بينما تبحث الثانية في خيار "الانسحاب المنظم" للمالكي مقابل ترشيحه لشخصية بديلة تضمن له بقاء النفوذ دون استفزاز البيت الأبيض. التحركات الدبلوماسية المكثفة التي يقودها رئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي مع القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس، تعكس إدراك القوى الشيعية لجدية التهديد الأميركي، خصوصاً في ظل موقف الخارجية الأميركية الذي يشدد على ضرورة إبعاد الفصائل المرتبطة بإيران عن مفاصل القرار السياسي في العراق الجديد.


