: آخر تحديث

عن مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني

2
2
2

تعتزم فرنسا، في الخامس من مارس (آذار)، حشد الدعم الدولي للجيش اللبناني الذي يعاني ضائقة مالية مزمنة، وذلك عبر استضافة مؤتمر لجمع التبرعات لصالح القوات المسلحة اللبنانية. بيد أن الدول المانحة المحتملة - وعلى رأسها الولايات المتحدة - ينبغي لها أن تتريث قليلاً قبل تقديم أي التزامات مالية.

إن احتياجات الجيش اللبناني حقيقية وملموسة؛ فقد واجه تحديات تمويلية قبل وقت طويل من اندلاع الأزمة المالية في لبنان عام 2019، إلا أن المسؤوليات الواسعة التي أُلقيت على عاتقه مؤخراً دفعت به إلى حافة الهاوية، فمنذ أغسطس (آب) 2025، كلفت بيروت الجيش بمهمة نزع سلاح «حزب الله»، الميليشيا الشيعية المدعومة من إيران. وبعد مرور ستة أشهر، باتت هذه المهمة غير المسبوقة تنهك قوى الجيش المفتقر للقدرات الكافية.

ومع ذلك، يتعين على الدول المانحة المحتملة رهن استثماراتهم بتحقيق نتائج فعلية على الأرض. لقد التزم لبنان بنزع سلاح «حزب الله» في اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أبرمه مع إسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، غير أن أداء الجيش حتى يومنا هذا لا يزال متذبذباً؛ إذ سلك الجيش مساراً يقوم على رد الفعل، على نحو يبعث على القلق، إذ اقتصرت استجابته بشكل شبه حصري على التكليفات الصادرة عن «آلية نزع السلاح» التي تقودها الولايات المتحدة وفرنسا، والمعتمدة على معلومات الاستخبارات الإسرائيلية لتحديد مواقع مخازن أسلحة «حزب الله» ومصادرتها. والأسوأ من ذلك، أن الجيش اللبناني - بدلاً من جمع الأسلحة - غالباً ما منح الأولوية لتجنب المواجهة مع «حزب الله». إن هذا النهج المهادن - إلى جانب التقليد اللبناني الضارب في القدم بتأجيل القرارات الصعبة التي قد تهز أركان الدولة الضعيفة - قد استنزف الزخم الرامي إلى نزع السلاح.

وفي سياق متصل، تتباين الرؤى بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة حول حجم ما تحقق إنجازه فعلاً؛ ففي أوائل شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن الجيش اللبناني إتمام المرحلة الأولى من نزع سلاح «حزب الله»، محققاً بذلك «احتكار الدولة اللبنانية للسلاح» في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. وفي حين تُقر إسرائيل بأن الجيش اللبناني قد صادر كميات كبيرة من ذخائر «حزب الله»، فإنها تحذر من أن الجهود على طول حدودها مع لبنان «لا تزال بعيدة كل البعد عن الكفاية». وكدليل يعزز وجهة النظر الإسرائيلية، أصدرت القيادة المركزية الأميركية في فبراير (شباط) الماضي - أي بعد شهر واحد من احتفال لبنان بـ«إنجاز المهمة» - بياناً هنأت فيه الجيش اللبناني على اكتشاف «نفق ضخم لـ(حزب الله) تحت الأرض»، كان يُستخدم لتخزين الصواريخ والطائرات المسيرة الهجومية.

وعلى الرغم من التقييمات المتباينة، عرض الجيش اللبناني في منتصف فبراير، خططاً للمرحلة الثانية؛ التي تهدف إلى مصادرة أسلحة «حزب الله» وصولاً إلى «نهر الأولي» (على بُعد نحو 25 ميلاً جنوب بيروت) خلال فترة تتراوح بين أربعة وثمانية أشهر. وستكون هذه المرحلة أشد استعصاء من المرحلة الأولى غير الحاسمة؛ فبينما آثر «حزب الله» محاولة التعافي والموافقة إلى حد كبير، على انكفائه جنوب نهر الليطاني - عبر تنسيق العملية وتفادي تضارب المصالح مع الجيش اللبناني كما يبدو - فإنه رفض بشكل قاطع مساعي نزع السلاح في المناطق الأبعد شمالاً، بل ولوّح باندلاع «حرب أهلية» في حال استمرار الجيش في مهمته.

إن المعضلة تتجاوز مجرد نهج الجيش «المتحفظ في مواجهة المخاطر»؛ إذ اتسم موقف بيروت بالتقلب في توفير الغطاء السياسي لمهمة المؤسسة العسكرية. ففي الوقت الذي يواصل القادة اللبنانيون تأييدهم العلني للعملية، تشير تقارير الكواليس إلى أن الحكومة تتفاوض على «حل وسط» مع «حزب الله». وبصفة عامة، يعكس الموقف اللبناني تجاه عملية نزع السلاح غياباً مذهلاً لـ«حس الاستعجال»؛ وربما يكون ذلك لأسباب وجيهة، فمنذ عام 2005، اغتال «حزب الله» العشرات من خصومه السياسيين المحليين، كما قتل في أغسطس (آب) الماضي، ستة جنود من الجيش اللبناني في انفجار مفخخ داخل أحد مستودعات أسلحة الميليشيا.

وفي غضون ذلك، ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الصوري، لم تتوقف إسرائيل عن قصف عناصر وأصول «حزب الله» في لبنان بصفة يومية، مستهدفة مواقع تبدو «حساسة للغاية» لدرجة تمنع الجيش اللبناني من الاقتراب منها؛ إذ قتلت إسرائيل في العام الأول للاتفاق وحده أكثر من 370 عنصراً من «حزب الله» في أكثر من 1200 غارة جوية.

بيد أن العمليات الجوية الإسرائيلية وحدها لن تنجح في تصفية ترسانة «حزب الله» الضخمة والمتفرقة؛ إذ لا يمكن إتمام هذه المهمة إلا عبر «قوات لبنانية على الأرض». ولذلك، وقبل عام 2005، كانت الولايات المتحدة تزود الجيش اللبناني بـ1.5 مليون دولار سنوياً معونات عسكرية موجهة لبرامج تدريب الضباط. وفي ذلك العام، وبعد انتفاضة اللبنانيين وإنهاء الاحتلال السوري الذي دام نحو 30 عاماً، رفعت واشنطن المساعدات السنوية إلى 70 مليون دولار. ومنذ ذلك الحين، قدمت الولايات المتحدة للجيش اللبناني أكثر من ملياري دولار، من دون أن تطلب منه يوماً أو تتوقع أن يدخل في مواجهة مع «حزب الله»؛ وهو الترتيب الذي لم يتغير إلا بعد توقيع بيروت على اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، الذي أنهى حرب «حزب الله» وإسرائيل.

ومع انتقال الجيش اللبناني إلى المرحلة التالية والأكثر تعقيداً، ستحتاج واشنطن إلى إعمال سياسة «الحب القاسي» لإبقاء عملية نزع السلاح على مسارها الصحيح. ونظراً لأهمية هذه المهمة لسيادة لبنان والأمن الإقليمي، ينبغي لإدارة ترمب - بالتنسيق مع الدول المانحة المجتمعة في باريس - رهن المساعدات العسكرية للجيش اللبناني بمستوى أدائه. كما يجب إجراء تقييم موضوعي لتقدم الجيش من قِبل كل من «آلية نزع السلاح» والقيادة المركزية الأميركية، وكلاهما يمتلك أصولاً وكوادر ميدانية في لبنان.

إن اتباع منهج «المكاشفة الصريحة» هو السبيل الوحيد لمحاسبة لبنان على تقاعسه عن نزع سلاح «حزب الله». فإذا ما وفّى الجيش اللبناني بالتزامات وقف إطلاق النار، فإن ذلك سيقلل من الحاجة إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تدينها بيروت بشكل روتيني. كما يمكن لواشنطن مساعدة الجيش عبر تحديد - وفرض استبعاد - الضباط الموالين لـ«حزب الله» داخل صفوفه، ممن يعرقلون عمليات جمع الأسلحة عبر التواطؤ مع الميليشيا.

وعلى مدى العقود الأخيرة، عقد المجتمع الدولي نحو اثني عشر مؤتمراً للمانحين لدعم اقتصاد لبنان المترنح وجيشه المتعثر مالياً، بيد أن أياً منها لم يُكتب له النجاح؛ والسبب في ذلك يعود في أغلبه إلى تقاعس لبنان عن اتخاذ القرارات الصعبة الضرورية لمساعدة نفسه. إن مواجهة «حزب الله» محفوفة بالمخاطر، غير أن التردد أكثر خطورة؛ فبعد مرور أكثر من عام على التزام لبنان بنزع السلاح، لا يزال «حزب الله» يؤكد حقه في «المقاومة» وفي إشهار السلاح الذي يتيح له الهيمنة على الدولة.

لقد تراجعت قدرات «حزب الله»، لكنه لا يزال متمسكاً بنهج التحدي. ويبدو أن «خطة العمل» الحالية للجيش اللبناني هي المماطلة، على أمل حدوث تغيير محتمل في الوضع الراهن في إيران، الراعي الرئيسي للحزب. ومع ذلك، ففي غياب تغيير للنظام في طهران، ستظل معضلة «حزب الله» في لبنان قائمة. لذا، ينبغي لإدارة ترمب ألا تضمن استمرار التذبذب اللبناني؛ فلبنان وجيشه قادران بالفعل على إحراز تقدم نحو نزع سلاح «حزب الله»، وإذا اختار الجيش اللبناني ألا يفعل ذلك، فإن سلاح الجو الإسرائيلي سيتولى المهمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد