: آخر تحديث

الجامعات الأهلية بين فخ الاستعراض وضرورة الإصلاح الجذري

3
4
4

لا يمكن قراءة البيان الأخير الصادر عن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بشأن اجتماع "متابعة الجامعات الأهلية" إلا بوصفه تمريناً في البلاغة الإنشائية التي تحاول حجب الواقع بغربال من الكلمات الرنانة. فعلى الرغم من "هيبة" المشهد الذي حشد المستشارين والمديرين العامين، إلا أن مخرجات الاجتماع جاءت خالية من أي "مونة" سياساتية، فبدلاً من إعلان حالة طوارئ تعليمية لمواجهة انحدار الجودة، غرق المجتمعون في صياغة توجيهات عامة حول "اتساق القانون" و"استيفاء الشروط"، وهي بديهيات إدارية لا تستوجب اجتماعاً بهذا المستوى. إن هذا "الاستعراض السطحي" لا يحل أزمةً، بل يرحلها خلف "مهلة العشرة أيام" الشهيرة، متجاهلاً أن العلة تكمن في جوهر الفلسفة التعليمية الحالية التي حوّلت الجامعات إلى "ماكينات ربح" بلا كوابح.

حين نقرأ في الخبر عن "استعراض منظومة العمل" و"استيفاء شروط الرصانة"، نكتشف فخاً لغوياً، فالرصانة في الأعراف الأكاديمية ليست مجرد "حالة" تُعلن في اجتماع، بل هي نتاج نظام اعتماد صارم. ومع ذلك، يُحسب للاجتماع التفاتته الجادة والمحقة إلى الجانب التنظيمي، من خلال حضور الجهات الإدارية والمالية، والتشديد الصارم على ضرورة تسوية القيود الضريبية والحقوق الضمانية للتدريسيين، فهذه ليست مجرد إجراءات ورقية، بل هي صمام أمان لحفظ كرامة الكوادر التعليمية وحماية المال العام من الهدر. لكن الإشكالية تبقى في الاكتفاء بهذا الجانب، حيث غابت "لغة الأرقام" و"معايير الجودة النوعية" التي تفرق بين المؤسسة التعليمية الرصينة الملتزمة بواجباتها القانونية، وبين "دكاكين الشهادات" التي استباحت المعايير العلمية من أجل تعظيم الأرباح.

الجودة الضائعة في زحام "التوجيهات"
الاعتماد الأكاديمي لا يتحقق بـ "إيعاز" أو بـ "مقترحات تُقدم خلال عشرة أيام". هذا التوقيت الزمني الضيق يعكس استخفافاً بملف معقد، فالاعتماد يحتاج إلى بناء نظم تقييم، وتدريب كوادر، ورقابة ميدانية مستقلة، لا إلى "ترقيعات إدارية" سريعة تُرفع للمسؤول لغرض الاستهلاك الإعلامي وتغطية الفشل في مواجهة جشع المستثمرين.

البديل الإصلاحي الحقيقي
بدلاً من هذا الاستعراض السطحي، نضع أمام صناع القرار "خارطة إنقاذ" ترتكز على الجودة والاعتماد، بعيداً عن منطق الربح والجباية:

1. كبح "جماح القبول" وربطه بسوق العمل
يجب التوقف فوراً عن سياسة "الأبواب المفتوحة" التي تنتهجها الجامعات الأهلية لإشباع نهمها المالي. المقترح هو تحديد سقف المقبولين في كل برنامج تعليمي بناءً على "دراسة احتياج حقيقية" لسوق العمل، وليس بناءً على قدرة الجامعة على حشر الطلاب في القاعات. لا يمكن السماح بتحويل الشباب إلى "جيوش عاطلين" لمجرد سد "أشلاء جوع" المستثمرين الذين يتاجرون بمستقبل الأجيال.

2. التحول الإلزامي إلى "مؤسسات غير ربحية"
آن الأوان لنقل الجامعات الأهلية من نموذج "الشركات التجارية" إلى نموذج "المؤسسات غير ربحية"، كما هو الحال في أرصن جامعات العالم. هذا التحول يعني إيقاف استنزاف جيوب العوائل لصالح حسابات المستثمرين، وإعادة توجيه كافة الأرباح والفائض المالي لتطوير البحث العلمي، وتحديث المختبرات، ودعم الابتكار، بدلاً من توزيعها كأرباح على "شركاء" لا علاقة لهم بالعلم من قريب أو بعيد.

3. مأسسة الجودة ونظام "الأنياب" القانونية
يجب إلزام كل كلية بالحصول على اعتماد برامجي عالمي مستقل كشرط لبقائها، مع تفعيل نظام عقوبات تصاعدي يبدأ بـ تعليق القبول في الأقسام المترهلة، ويصل إلى سحب إجازة التأسيس للجامعات التي تصر على تغليب الربح المالي على المعيار العلمي.

4. حوكمة الجامعات ومأسسة مجالس الأمناء
يتعزز الهيكل التنظيمي لهذا الإصلاح عبر تشكيل مجالس الأمناء، بحيث يكون لكل جامعة أهلية مجلس يُختار أعضاؤه من كبار العلماء والأساتذة المتخصصين والخبراء والشخصيات العامة، على أن يضم المجلس في عضويته رئيس الجامعة وممثلاً عن الحكومة يختاره وزير التعليم العالي لضمان الرقابة الرسمية. ويتولى هذا المجلس، بشراكة تشاورية مع مجلس الجامعة، صياغة اللوائح الداخلية لإدارة شؤون الجامعة وتسيير أعمالها، بما يضمن وضع قواعد صارمة لاستخدام صافي الناتج عن نشاط الجامعة وتوجيهه نحو التطوير الأكاديمي والبحثي وفق ميزانيتها السنوية المصادق عليها.

5. الدمج الأكاديمي
تكتمل خارطة الإنقاذ بتبني "الدمج الأكاديمي" للكليات المتشابهة لتحويلها إلى جامعات كبرى رصينة، أسوةً بالتجارب الناجحة في فرنسا وألمانيا. يهدف هذا التوجه إلى رفع الجودة وتوحيد المعايير، مع تقليل التكاليف التشغيلية لخفض الأجور الدراسية، فضلاً عن مكافحة الفساد عبر تبسيط الرقابة وخلق بيئة بحثية متكاملة. وبذلك، يتجسد الإصلاح الجذري في أربعة أعمدة: ضبط القبول وفق سوق العمل، التحول إلى المؤسسات غير الربحية، فرض الاعتماد الدولي الصارم، والهيكلة بالدمج لصناعة كيانات جامعية تليق بالعراق.

أخيراً "التعليم أمانة وليس بضاعة"
إنَّ إصلاح التعليم الأهلي في العراق لا يمر عبر اجتماعات "الصور التذكارية" والبيانات التي "لا تسمن ولا تغني من جوع". إننا بحاجة إلى ثورة في الفلسفة التعليمية، تبدأ بتحويل الجامعات الأهلية إلى مؤسسات علمية غير ربحية، وتنتهي بفرض معايير جودة لا تجامل أحداً.

السؤال الموجه إلى صناع القرار: هل لديكم الجرأة لتحويل هذه "الاستثمارات" إلى "مؤسسات علمية حقيقية" تخضع لسوق العمل، أم سنستمر في مشاهدة ضياع التعليم في دهاليز الأرباح والكلمات الرنانة؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.