: آخر تحديث

في تعريف عمر فروخ بأنيس فريحة

3
3
4

لا نستطيع أن نعرفَ كم أمضى أنيسُ فريحة من الوقت في دراسةِ الماجستير في جامعة شيكاغو بأميركا، ولا كم أمضَى من الوقت لاستكمال هذه الدراسة في جامعة توبنغن بألمانيا وفي جامعة غراتس بالنمسا. ولا في أيّ عامٍ ذهبَ إلى أميركا لدراسة الماجستير وما تاريخ حصولِه عليها، ولا في أيّ عامٍ ذهبَ إلى ألمانيا والنمسا لاستكمالها، ولا في أيّ عامٍ عاد إلى جامعة شيكاغو للحصول على درجة الدكتوراه، ولا في أيّ عامٍ حصل عليها، ولا في أيّ عامٍ عاد إلى لبنان. لا نستطيع أن نعرفَ ذلك كلَّه أو بعضه، لا من خلال سيرته الذاتية (قبل أن أنسى)، ولا من خلال سجلّه الجامعي في الجامعة الأميركية ببيروت، ولا من خلال كتابٍ ترجم له ترجمةً جزئيةً أو شاملةً.

يقول المؤرخ اللبناني إلياس قطار في الجزء الأول من كتابه «مؤرخون من لبنان»، الصادر عام 1998، في ترجمته لأنيس فريحة: «كان منتمياً إلى جمعية الأصحاب الدينية الإنجليزية (الفريندز)». ويقول سجلّ أنيس فريحة الجامعي: «تلقى تعليمه المبكر في مدرسة برمانا الثانوية على يد الآباء المؤسسين التبشيريين، بعد ذلك التحق بـ(الكويكرز)».

أنيس فريحة منذ ولادته كان «كويكرزياً»، فأبوه إلياس هو الذي انتمى والتحق بمذهب «الكويكرز» لا هو. فأنيس فريحة في بيت أبيه وفي مدرسة قريته التي علّمه فيها أبوه المعلّم إلياس دينه المسيحي، حسب مذهب جماعة «الكويكرز»، نشأ نشأة دينية (كويكرزية)، وظل ملتزماً بتعاليمها الدينية، كما يقول هو عن نفسه، في قصته مع العميد نيكولي التي ذكرناها في مقال سابق. ويقول إلياس قطار: «درس في عام 1922 في الجامعة الأميركية ثم في ألمانيا. والدقيق أنه بعد تخرجه في الجامعة الأميركية ببيروت درس في جامعة شيكاغو وحصل منها على درجة الماجستير. وبعد حصوله على هذه الدرجة من هذه الجامعة ابتعثه مباشرة رئيس الجامعة الأميركية ببيروت بيارد دودج إلى جامعة توبنغن بألمانيا ليتعمق في دراسة اللغات السامية، على يد المستشرق أنُّو لتمن صهر المستشرق الشهير نولدكه. وفي أثناء دراسته في ألمانيا اقترح عليه أستاذه لتمن أن يزور جامعة غراتس في النمسا، ليتعرّف على رودو كناكس المتخصص في النقوش اليمنية». من خلال حديث أنيس فريحة عن هذه الزيارة نستشف أن مدتها كانت قصيرة، وقد صرّح بأنه لم يتعلم من هذا المستشرق، اليوناني الأصل، شيئاً.

ذكر في سجل الجامعة، أنه ولد في سبتمبر (أيلول) 1903 في رأس المتن. عام الولادة هنا غير صحيح. وكثير من المواقع اللبنانية المختلفة، تقول بهذا العام الخطأ لولادته.

إلياس قطار يقول: «ولد أنيس فريحة في قرية رأس المتن في 21 أيلول 1902».

وهذا هو التاريخ الصحيح، ليوم وشهر وعام ميلاده. أقول بهذا استناداً إلى ما سجله فريحة في سيرته الذاتية (قبل أن أنسى) عن تاريخ ميلاده: «غير مخيّر صبيحة الحادي والعشرين من شهر أيلول، سنة 1902. وبعد أن بشّر أبي بمولود صبي، سارع إلى توراة العائلة - وفيها صفحة بيضاء لتدوين الأحداث العظيمة - وسجّل يوم ولادتي. فلم يعد هناك مجال للكذب في حقيقة عمري. وحال هذا التدوين دون إنقاص عمري، عندما بلغت سن التقاعد، لأستفيد من العمل المثمر سنتين أو ثلاثاً، كما فعل ويفعل بعض الناس. التوراة لا تكذب!».

في كتاب «القومية الفصحى»، الصادر في طبعته الأولى عام 1961، يعرّف عمر فروخ بأنيس فريحة، قائلاً: «أنيس الخوري فريحة، أو أنيس فريحة، ولد في قرية رأس المتن (لبنان) في عام 1902، وتخرج في الجامعة الأميركية في بيروت برتبة بكالوريوس علوم عام 1927. وفي العام التالي نال شهادة أستاذ علوم ثم إنه سافر إلى الولايات المتحدة وحصل على شهادة دكتور في الفلسفة في عام 1935».

يقصد عمر فروخ بالعام التالي عام 1928. هذه المعلومة غير دقيقة من أكثر من جهة:

أولاً، أنه لم ينل شهادة أستاذ علوم من الجامعة الأميركية. وهذه الشهادة تعني في الجامعة الأميركية ببيروت في ذلك التاريخ شهادة الماجستير. هو نال منها فقط شهادة بكالوريوس علوم في الأدب العربي. وقد يكون نالها - كما ذكر فرّوخ - عام 1927.

ثانياً، أنه نال شهادة الماجستير من جامعة شيكاغو. نالها في رسالة كتبها في اللاهوتي والفيلسوف والطبيب أبي الفرج ابن العبري، المعروف في الغرب باسم «بار - هيبروس». ومن شرحه لطريقة عمله فيها، نعرف أن عمله عليها لم يستغرق وقتاً طويلاً. وعليه نستنتج أنه أمضى في جامعة شيكاغو لدراسة الماجستير أقل من سنة.

ثالثاً، في عام 1928، الذي أخبر فرّوخ بأن فريحة نال شهادة أستاذ علوم (شهادة ماجستير) من الجامعة الأميركية ببيروت، كان فريحة في جامعة توبنغن بألمانيا. يقول فريحة في سيرته الذاتية (قبل أن أنسى) تحت عنوان «أوغاريت: رأس الشمرا»: «في ربيع سنة 1928 علق محراث فلّاح سوري ببلاطة قبر في رأس الشمرا، شمال اللاذقية، فظن أن قد عثر على كنز من الذهب... في هذه الأثناء، كنت طالباً في جامعة توبنغن Tubingen من أعمال ألمانيا».

مما تجدر الإشارة إليه هنا في سيرة أنيس فريحة الذاتية المتعلقة بهذا الكشف الأثري الذي نجم عنه بعد التنقيبات والبحوث التعرف إلى اللغة والكتابة الأوغاريتية، أن له كتاباً اسمه «ملاحم وأساطير من أوغاريت – رأس الشمرا» صدر عام 1966.

عمر فروخ كان زميلاً لأنيس فريحة في كلية الآداب والعلوم بالجامعة الأميركية ببيروت، وهو يصغره في السن قليلاً (فروخ من مواليد عام 1906) وكان بينهما أصدقاء مشتركون كالشاعر إبراهيم طوقان الذي يجتمعان - على خصومتهما في اللغة والفكر - في الافتتان بشعره، وعلى حبهما ومودتهما لشخصه. عمر فروخ تخرّج في الجامعة الأميركية عام 1928، وأظنه لم يكن دقيقاً في معلومته السالفة حول حصول أنيس فريحة على شهادة أستاذ علوم من الجامعة الأميركية عام 1928، لأنه اعتمد فيها على الذاكرة.

قد تلحظون في الاقتباس السابق من كتاب «القومية الفصحى» أن عمر فرّوخ كان يسمي أنيس فريحة بأنيس الخوري فريحة!

وفي كتاب آخر له، وهو كتاب «شاعران معاصران، إبراهيم طوقان وأبو القاسم الشابي» صادر في طبعته الأولى عام 1954، سماه أيضاً بهذه التسمية: أنيس الخوري فريحة! وفي هذا الكتاب فتح هامشاً إيضاحياً في أسفل الصفحة التي استعمل بها هذه التسمية قال فيه: «في الجامعة الأميركية في بيروت أستاذان باسم أنيس الخوري: الأستاذ أنيس الخوري المقدسي والأستاذ أنيس الخوري فريحة».

أنيس الخوري المقدسي الخوري من بداياته في كتابة المقالات وفي تأليف الكتب يستعمل هذا الاسم الثلاثي، أما أنيس فريحة فلم يستعمل اسم الخوري في وسط اسمه ولا مرة واحدة من بداياته في كتابة المقالات وفي تأليف الكتب.

فهل استعمل اسم «الخوري» في وسط اسمه في أثناء دراسته الجامعية بالجامعة الأميركية ببيروت في الوثائق الرسمية بالجامعة أو استعمله بين زملائه وأساتذته؟!

دعونا نذهب إلى سيرته الذاتية (قبل أن أنسى)، لنفتش فيها عن أبيه «الخوري» أو عن جد من أجداده، كان من طبقة «الخوارنة».

نعلم من هذه السيرة أن جدّه الخوري نقولا «آثر أن يعد ابنه للكهنوت ليحل محله في الكنيسة. وكان أبي يحسن القراءة ويعرف مبادئ الحساب حتى جدول الضرب بـ12! كان يعرف التوراة والإنجيل ويحفظ غيباً سفر المزامير. وكان صوته جميلاً، وأتقن الألحان البيزنطية... أما لماذا عدل والدي عن الكهنوت فلست أدري، ولا هو قال لي... وبعد زواجه بقليل انضم إلى جمعية (الفرندز)، أي الأصحاب، ويعرفون أيضاً بـ (الكويكرز)... وعُين مدرساً في القرية من قبل (الكويكرز) براتب قدره ليرتان ذهبيتان، وكان راتباً محترماً، لأن الأسعار كانت بغرش وبغرشين، وبنصف الغرش!».

في مقال من سيرته الذاتية القديمة (اسمع يا رضا!) كان قد ذكر سبب عدول أبيه عن الكهنوت، إذ قال في هذا المقال: «المجاعة الرهيبة التي وقعت في أثناء الحرب العالمية الأولى صرفت جدك بونجم عن التعليم - أغلقت المدارس في ضيعتنا - وأعادته دباغاً كما كان في أيام شبابه الأولى».

هذا المقال في سيرته الذاتية القديمة عنوانه «أنيس الدباغ». في هذا المقال حكى عن صنعة الدباغة التي كانت مهنة أبيه، ومهنته حين كان صغيراً في العمر. ففي ضيعته كان - كما يقال - معروفاً باسم أنيس الدباغ.

المأمور بالسمع في عنوان هذه السيرة (اسمع يا رضا!) هو ابنه رضا حين كان صبياً. يخاطبه في مفتتح هذه المقال كاشفاً سبب تسميته برضا، قائلاً له: «قبل أن ولدت سماني الشاعر المرحوم إبراهيم طوقان (أبا الرضا) لأنني، كما كان يقول، كنت راضياً عن عيشي، قانعاً برزقي، متنازلاً عن حقي كي يرضى الناس عني».

الشاعر طوقان لقبه بهذا اللقب أيام كانا طالبين في الجامعة الأميركية.

أبوه إلياس المكنى في ضيعته منذ كان غضاً في عمره بـ«بونجم» علّم - كما احتسبها هو - نحو ثلاثة أجيال. فأبوه كان دبّاغاً، وإضافة إلى هذه المهنة الأساسية كان معلماً للصغار في كنيسة جماعته (الكويكرز) الصغيرة والبسيطة على ما وصفها. جدّه هو الذي كان خورياً أرثوذكسياً (آل فريحة وآل سعد کانتا الأسرتين المسيحيتين في قرية رأس المتن، وكانت مسيحيتهما مسيحية أرثوذكسية) والذي حدّثنا أنه جدّ في البحث عن اسمه الدنيوي أو العلماني قبل الترهبن، فسأل أباه وأهل ضيعته عنه، فأجابوه أنهم لا يعرفونه إلا باسمه الكهنوتي: الخوري نقولا!

أنيس فريحة قبل أن يدعو إلى تيسير النحو، كان قد دعا إلى إحلال العامية محل الفصحى، وكتابتها بالأحرف اللاتينية، زميله عمر فروخ تناول دعوتيه هاتين بالرد عليهما في كتابه «التبشير والاستعمار» الذي اشترك معه في تأليفه مصطفى الخالدي، وفي كتابه «القومية الفصحى».

في «التبشير والاستعمار» الذي صدر قبل بضع سنين من صدور «القومية الفصحى»، وصدر قبل صدور «شاعران معاصران...». كان يسمي أنيس فريحة باسمه الثنائي المشهور: أنيس الخوري فريحة. فلماذا عدل عن هذا الاسم الثنائي إلى اسم ثلاثي هو أنيس الخوري فريحة في «القومية الفصحى» وفي «شاعران معاصران...»؟

هل يريد أن يعلم القارئ العربي المسلم بأنه مسيحي، ويريد أن يعلمه فوق ذلك أن في عائلته «خوريّاً» أو «خوارنة»، أي رجال دين مسيحيين؟!

إن القارئ لكتب أنيس فريحة قبل أن يتناول فرّوخ أراءه في اللغة العربية بالرد، سيعلم أنه مسيحي مثلما سيعلم القارئ لكتب عمر فروخ أنه مسلم، وصاحب اتجاه قومي عروبي - إسلامي. وما نفع هذه المعلومة في حجاج فرّوخ اللغوي القوي والمتين مع أنيس فريحة؟! ففرّوخ يعلم أن فريحة قبل أن يبدأ بإعلان دعوتيه المذكورتين، كان قبله دعا إليهما مصريون مسلمون. وللحديث بقية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد