: آخر تحديث
نكتةٌ تهزّ توازنات الطوائف

فايننشال تايمز: كيف تحولت الكوميديا في لبنان إلى ساحة صراع سياسي وديني؟

2
2
2

إيلاف من لندن: في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، هبط الكوميدي اللبناني ماريو مبارك في مطار بيروت ليفاجأ بعناصر أمن الدولة يصادرون هاتفه وحاسوبه وجواز سفره. لم يكن مبارك متورطاً في مؤامرة كبرى، بل كانت جريمته مجرد "نكتة" في عرض مسرحي.

تمثل حالة مبارك أحدث حلقة في سلسلة ملاحقات جنائية تستهدف فناني الكوميديا الارتجالية (Stand-up comedy) في لبنان، مما يسلط الضوء على تآكل هوامش حرية التعبير في بلدٍ طالما عُدَّ ملاذاً آمناً للمعارضين والفنانين في المنطقة.

قيامة المسيح في قفص الاتهام

بدأت أزمة مبارك بعد انتشار مقطع فيديو مجتزأ من عرضه الساخر، تساءل فيه بطرافة عما إذا كانت جنازة السيد المسيح تُعد ناجحة "بما أنه في النهاية قام من الموت". أثار المقطع غضب المركز الكاثوليكي للإعلام، الذي طالب النيابة العامة باتخاذ إجراءات قانونية. وبالفعل، تم استدعاء مبارك لتحقيقات مكثفة من قبل أمن الدولة، حيث يواجه عقوبة السجن لثلاث سنوات بموجب قانون العقوبات الذي يجرّم "التجديف".

ويرى كوميديون وحقوقيون أن هذه التحركات ليست فردية، بل هي محاولات من المرجعيات الطائفية والدينية لاستعراض نفوذها وإثبات قدرتها على تحريك أجهزة الدولة. وتقول رولا مخايل، مديرة منظمة "مهارات" المدافعة عن حرية التعبير: "من وقت لآخر، تريد هذه الهيئات اختبار مدى هيمنتها على المجتمع وقدرتها على دفع السلطات للتحرك".

"فوط صحية" أمام المحكمة العسكرية

ولا تقتصر الملاحقات على طائفة بعينها. فالكوميدية شادن فقيه، واجهت دعاوى جنائية في عام 2024 من مرجعيات سنية وشيعية ونائب في البرلمان، بعد انتشار مقطع مصور سراً تسخر فيه من بعض الممارسات الدينية. واضطرت فقيه للفرار إلى فرنسا والحصول على لجوء سياسي بعد تلقيها تهديدات بالقتل. وتقول فقيه: "مشكلتهم أنني أسخر من المؤسسات الدينية، وهذا يقلقهم".

المفارقة أن فقيه سبق وحوكمت أمام القضاء العسكري عام 2020، بتهمة السخرية من قيود الإغلاق خلال جائحة كورونا. فقد أجرت اتصالاً هاتفياً ساخراً بالشرطة تسألهم فيه المساعدة لشراء "فوط صحية" بعد حظر التجول في الخامسة مساءً. وقفت فقيه أمام قضاة يحاكمون عادة الإرهابيين والفارين من الخدمة. وتستذكر فقيه كيف سألها القاضي بجدية: "هل تأتيكِ العادة الشهرية عادة في الخامسة؟"، في مشهد أثار ضحك المحامين في القاعة.

السخرية من انهيار الدولة

الأجهزة الأمنية لم تقف متفرجة؛ فقد اعتقلت النيابة العسكرية عام 2023 الكوميدي نور حجار لمدة 11 ساعة، إثر نكتة سخر فيها من اضطرار العسكريين اللبنانيين للعمل كـ "عمال توصيل طلبات" بسبب انهيار رواتبهم. وتكرر احتجاز حجار بدعوى أخرى من "دار الفتوى" على خلفية رسم ساخر يعود لعام 2018.

ورغم هذه الضغوط، لا تزال نوادي الكوميديا في بيروت تشهد إقبالاً كثيفاً. لكن الحذر أصبح سيد الموقف؛ إذ يكشف الكوميدي محمد بعلبكي أن الشكوك حول وجود مخبرين بين الجمهور تحولت نفسها إلى نكتة يتداولها الفنانون. وقد اضطر بعلبكي وزملاؤه للهرب من باب خلفي في مدينة طرابلس هذا الصيف بعد أن حاصر متظاهرون دينيون المسرح، كما أُلغي عرض آخر في صيدا لأسباب مشابهة.

التهديد بالقتل "ليس جريمة"

تلفت المحامية غيدا فرنجية، من منظمة "المفكرة القانونية"، إلى مفارقة قانونية صارخة تتمثل في تركيز السلطات على ملاحقة الكوميديين، بينما يُترك المتطرفون الذين يهددونهم بالقتل دون محاسبة. وتقول: "سياسة النيابة العامة تعتبر أن النكتة جريمة أخطر من التحريض على العنف".

ومع ذلك، تبدو المحاكم اللبنانية أكثر استنارة من النيابات العامة؛ إذ برّأت محكمة التمييز العسكرية كلاً من شادن فقيه ونور حجار، معتبرة أن الكوميديا تندرج تحت حرية التعبير. ويأمل الحقوقيون في إقرار مشروع قانون إعلامي جديد، يهدف إلى تحويل قضايا التعبير، مثل التجديف والقدح والذم، إلى مخالفات مدنية لا تستوجب السجن، مما قد يضع حداً لهيمنة السلطات على المشهد الفني.

*أعدت "إيلاف" هذه المادة عن صحيفة "فاينانشال تايمز". المادة الأصلية منشورة على ( الرابط)


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار