إيلاف من لندن: في عالم يتنافس فيه المشاهير على الأناقة والتميز في المظهر، اتخذت كيت ميدلتون، أميرة ويلز، مسارًا يبدو متناقضًا مع تقاليد الموضة الملكية التي لطالما اعتمدت على الإبهار والتجديد المستمر.
على مدار السنوات الماضية، كانت كيت مثالًا للذوق الراقي والبساطة الملكية، ولكن في الأشهر الأخيرة، باتت ملامح نهجها في ارتداء الملابس أكثر وضوحًا، حيث تميل إلى إعادة تدوير إطلالاتها بشكل ملحوظ، ما يدفع البعض للتساؤل: هل هو مجرد اختيار شخصي، أم أنه جزء من استراتيجية أعمق؟
تصريحات القصر
بداية هذا الشهر، أثارت تصريحات أحد المتحدثين باسم أميرة ويلز لصحيفة "صنداي تايمز" جدلًا واسعًا عندما أشار إلى أن قصر كنسينغتون لن يشارك بعد الآن تفاصيل عن ملابس كيت مع وسائل الإعلام. كانت الرسالة واضحة: "إنها تريد أن يكون التركيز على القضايا المهمة حقًا والأشخاص والقضايا التي تسلط الضوء عليها." جاء هذا التصريح ليعكس نهجًا جديدًا، أو على الأقل محاولة جديدة، لإبعاد الاهتمام عن الموضة لصالح القضايا الخيرية والاجتماعية التي تتبناها الأميرة.
لكن القصة لم تنتهِ هنا، إذ سرعان ما تراجع القصر عن التصريحات بعد الضجة الإعلامية التي أحدثتها، موضحًا لمجلة بيبول أن كيت نفسها لم تصدر هذا القرار، وأنه "لم يحدث أي تغيير في نهجنا في مشاركة المعلومات حول ملابس صاحبة السمو الملكي". غير أن الأمر بدا أبعد من مجرد سوء فهم أو تصريح عابر، فالحقيقة أن كيت لطالما استخدمت ملابسها لإرسال رسائل دقيقة، وإن لم يكن ذلك بشكل معلن. فهل يمكن اعتبار هذا القرار امتدادًا لنهجها في توجيه الأنظار إلى ما تعتبره أكثر أهمية؟
كيت تصل إلى دير وستمنستر لحضور قداس ترانيم عيد الميلاد
رسائل صامتة
رغم النفي الرسمي لتغيير السياسة الإعلامية حول أزيائها، لا يمكن إنكار أن كيت ميدلتون تعتمد أسلوبًا فريدًا في اختيار ملابسها، وهو أسلوب يبدو أكثر وضوحًا اليوم مقارنة بالسنوات الماضية. ففي زيارتها الأخيرة إلى بونتيبريد في ويلز، قبل عيد القديس ديفيد، اختارت الأميرة ارتداء معطفها الأحمر الشهير من تصميم ألكسندر ماكوين، وهو معطف ظهرت به علنًا أربع مرات على الأقل من قبل، آخرها في كانون الأول (ديسمبر) الماضي خلال حفل ترانيم عيد الميلاد.
هذا التكرار اللافت للأنظار يتجاوز مجرد الإعجاب الشخصي بقطعة معينة من الملابس؛ إنه، على الأرجح، رسالة متعمدة. الأحمر، بالطبع، ليس مجرد لون جميل بل هو لون التنين الويلزي، وهو ما يمنح الاختيار بعدًا وطنيًا مرتبطًا بالمناسبة. ولكن الأهم هو أن الأميرة لم تعد تهتم كثيرًا بتجديد خزانة ملابسها كما كانت تفعل في السابق، حيث كانت تكرر بعض القطع ربما مرة أو مرتين في السنة، بينما الآن بات التكرار أكثر وضوحًا وانتظامًا.
أميرة ويلز تشجع منتخب إنكلترا للرغبي في كأس العالم 2022
حضور بصري
من الصعب تجاهل التوقيت الذي بدأت فيه كيت تبني هذا النهج بوضوح أكبر. فالعام الماضي كان عامًا صعبًا عليها شخصيًا، حيث خضعت للعلاج الكيميائي بعد تشخيص إصابتها بالسرطان. ومن المعروف أن مثل هذه التجارب العميقة تُحدث تحولات في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الحياة عمومًا. ربما وجدت كيت أن الأزياء لم تعد بنفس الأهمية، أو ربما أرادت ببساطة تقليل التركيز على مظهرها لصالح رسائل أكثر عمقًا تتعلق بالاستمرارية والصمود في وجه التحديات.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى أسلوبها في تكرار الملابس على أنه محاولة لتقليل تأثيرها البصري، أو بمعنى آخر، خلق نوع من "التمويه" الذي يجعلها تبدو مألوفة ومتوقعة، بحيث لا يتحول ظهورها العلني إلى حدث أزياء بحد ذاته. عندما ترتدي المعطف نفسه، بنفس الطريقة، فإنها تعيد ضبط المعادلة: لم يعد السؤال "ماذا سترتدي كيت اليوم؟" بل أصبح "ماذا تفعل كيت اليوم؟".
الاستدامة والتواضع
بالطبع، هناك أيضًا بعد عملي وأخلاقي لهذه العادة. في عصر أصبحت فيه الاستدامة محط اهتمام عالمي، يبدو أن إعادة ارتداء الملابس تتماشى مع قيم الحد من الاستهلاك المفرط والترويج للموضة المستدامة. كما أن هذا النهج يمنحها صورة أكثر تواضعًا، خصوصًا في وقت يعاني فيه كثير من البريطانيين من أزمات اقتصادية حادة. فحين تظهر أميرة في ملابس مكررة، فإنها تقدم نموذجًا مختلفًا عن الفكرة النمطية حول البذخ الملكي، وتبث رسالة ضمنية بأن الأناقة لا تعني دائمًا الجديد والمكلف.
ومع ذلك، يبقى من الصعب الجزم بما إذا كان هذا التحول نابعًا من قناعة شخصية أم أنه جزء من استراتيجية محسوبة. فمن المعروف أن العائلة المالكة، رغم تقاليدها العريقة، تتكيف دائمًا مع المتغيرات الاجتماعية، وفي كثير من الأحيان، تعيد تشكيل صورتها وفقًا لمتطلبات العصر.
سواء أكان هذا النهج الجديد في ارتداء الملابس خيارًا شخصيًا أم تكتيكًا محسوبًا، فإنه يكشف عن تحول أعمق في طريقة أداء كيت ميدلتون لدورها كأميرة ويلز. فهي لا تزال تحظى باهتمام وسائل الإعلام العالمية، ولكنها في الوقت نفسه، تعمل على توجيه هذا الاهتمام إلى قضايا أكثر أهمية من مجرد الموضة.
قد تكون الأزياء وسيلة قوية للرسائل الصامتة، لكن كيت، بطريقتها الخاصة، تحاول أن تجعل هذه الرسائل تخدم غايات أكبر. وبينما يراقب العالم كل تفاصيل إطلالاتها، ربما يكون درسها الحقيقي هو أن الموضة ليست دائمًا في المظهر، بل أحيانًا في الجوهر.