لست أظن أنَّ في الناس خلافًا على أن الوطنية الحقّة لا تُقاس بما يُقال، وإنما تُقاس بما يُبذل، وبمن يُقدِّم نفسه ليبقى الوطن، لا بمن يُبقي نفسه ولو على أنقاضه. وهذه قاعدة، إن أردنا أن نقيس بها التاريخ، فسنجد من ثبت عليها حتى الموت، ومن خانها عند أول امتحان.
ومن أولئك الذين ثبتوا عليها، الإمام عبد الله بن سعود، الذي لم يخرج من الدرعية مهزومًا، وإنما خرج مرفوع الرأس؛ لأنه آثر أن يُؤخذ أسيرًا ولا يُسلم وطنه في صفقة النجاة.
ففي عام 1818م شدّدت قوات إبراهيم باشا حصارها على الدرعية، بدا المشهد وكأنه آخر فصول المواجهة بين الإرادة المحلية والهيمنة الإمبراطورية.
خمسـة أشهر من الحصار لم تُضعف عزيمة الإمام عبد الله، رغم نقص الغذاء والذخيرة وتناقص الرجال. الطريف، معقل الحكم، ظلّ صامدًا رغم القصف، في وقتٍ كانت الجيوش العثمانية مدعومة بالأسلحة الحديثة والمستشارين الأوروبيين.
لقد قاوم، ثم تفاوض على سلامة من بقي من المواطنين، وعلى ألا تُدكّ مدينته. ثم اختار أن يُقاد بالأغلال إلى إسطنبول، وهو يعلم أن الموت ينتظره فلم يفرّ، ولم يُساوم، ولم يبع شيئًا من الكرامة لقاء شيء من الحياة.
أمَّا اليوم، فبين ظهرانينا من ينقضّ على الدولة، ويُقايض أمن الوطن بمصالح ضيقة، ويراكم الخطاب الثوري بينما يهدم أركان الدولة ركنًا بعد ركن.
أنظر إلى غزة...
فستجد حركة حماس رفعت راية المقاومة، لكنها أقامت سلطتها على الجوع، وشدّت قبضتها على من يفترض أنهم شعبها لا على العدو.
كلما لاح أفق للحل، أُغلق بإصبعها، وكلما اقترب الناس من الهدوء، زُجّ بهم في جولة جديدة من القتال. لا لأن القضية تحتاج، ولكن لأن التنظيم لا يعيش إلا في جوّ العنف والتجييش.
أنظر إلى صنعاء...
فستجد جماعة الحوثي تدّعي أنها تواجه الاستكبار، بينما تنهب مقدرات اليمن، وتحوّل مدنه إلى ثكنات، ومدارسه إلى منابر طائفية، وأطفاله إلى وقود حروب لا تنتهي.
لقد ربطت مصير شعبها بإرادة خارجية، لا تعبأ بموته ولا جوعه؛ حيث تستخدمه ورقة ضغط متى تشاء.
أنظر إلى بيروت...
فستجد حزب الله الذي لم يعد سلاحه في يد الدولة، بل أصبحت الدولة في قبضته، فاقدة السيادة والقرار.
يرتفع صوته في الإقليم، بينما يخفت صوت لبنان في المحافل. يقرر الحرب، ثم يترك البلد يتحمّل الرد. وكلما خسر الوطن شيئًا، ازداد هو في لغته انتصارًا.
هذا الفارق الجوهري:
أن الإمام عبد الله بن سعود قدّم نفسه حين لم يبقَ من الخيار إلا التضحية،
أما هؤلاء، فقد قدّموا الوطن، وهم في سعةٍ من الأمر، وفي قدرتهم أن يتجنّبوا الخراب، لكنهم لم يريدوا سوى بقاء الكيان الذي يمثلهم، ولو انهار كل شيء من حولهم.
إنَّ الفرق بين من يموت ليحيا وطنه، ومن يُميت وطنه ليحيا مشروعه، هو الفرق بين التاريخ الذي يُدوَّن بالفخر، وذلك الذي يُروى بالخزي.
ولست أعرف من الإنصاف أن نساوي بين من وقف في وجه جيوش إمبراطورية وحده، وبين من احتمى بسلاحٍ ليس له، ليهدم دولةً كانت له ولشعبه.