الديمقراطية ومفهومها الغربي نظرياً وعملياً لها وقع مقلق بالنسبة لمراكز القرار والسياسات والبحث البريطانية، حين يتوقف نبض الديمقراطية بالعالم الثالث مهما تعددت الأسباب والظروف، وللديمقراطية أثر مهم للغاية بالعلاقات الدولية والشراكة مع الدول ذات الأنظمة الديمقراطية الدستورية كالكويت.
عبارة حل مجلس الأمة، وتعليق بعض مواد الدستور، لم تكن عبارة سهلة المرور أوا لتمرير في حضور برلمانيين بريطانيين في مقر مجلس العموم البريطاني تحديدا، لذلك تقاطعت واتفقت الاستفهامات عند فهم الأسباب وتحليل الظروف التي أدت الى حل مجلس 2024.
تمحور العصف الذهني بمجلس العموم البريطاني Westminster Hall اثناء الحوار الذي جرى بشهر فبراير الماضي عن الديمقراطية في الكويت ومستقبلها، حول ظروف وأسباب تكرار حل مجلس الأمة، ودور الحكومة في ترسيخ قواعد الديمقراطية في المجتمع وأجهزة الدولة.
الكويت...ماذا بعد حل مجلس الأمة؟ وما هي الترتيبات السياسية للمرحلة الحالية والمقبلة؟ قفزت الأسئلة ذاتها مجددا اثناء النقاش، فالتطورات السياسية لها ارتباط مباشر مع الحلول المأمولة والتحليلات المشروعة حول إنقاذ الديمقراطية في الكويت من المزيد من التعثر والتراجع والجمود.
اتفقت الآراء على أن عملية تصدي الكويت للتقسيمات الاجتماعية ليست مهمة مؤقتة، ولا مرحلة تحتمل التأجيل، بل تحتم التعجيل والحسم العاجل على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي والتربوي والتعليمي من أجل ترميم العلاقة بين الحكومة ومجلس الأمة وبالتالي انقاذ الديموقراطية.
سيبقى حاسما وحساساً ملف حقوق الإنسان، والشؤون الدولية ودور الكويت على هذا الصعيد، الذي أجد نفسي قلقاً عليه بسبب ضبابية الرؤية الحكومية، وغموض الموقف السياسي قبل وبعد حل مجلس الأمة حيال التطورات السياسية الدولية والإقليمية.
الحكومة الكويتية تركز على ملف حقوق الإنسان الذي من المتوقع مراجعته في جنيف قريبا من زاوية دبلوماسية بحتة تطغي عليها لغة إنشائية عن ملف العمالة المنزلية، وملفات خفيفة الوزن مثلها في حين ملفات ساخنة كالحقوق الدستورية لا تحظى بالتركيز والاهتمام!
ديوان حقوق الإنسان الذي أنشأته الكويت قبل سنوات تحول اليوم إلى لجنة بوزارة الخارجية من دون دعم رسمي ملموس، واهتمام سياسي، وهو مؤشر ليس بصالح الكويت على مستوى دعم كيان مختص بحقوق الإنسان مستقل عن الحكومة ومحايد في عمله.
كثيرون تساءلوا عما إذا كانت الحكومة الكويتية بحاجة إلى إدراك ملف حقوق الإنسان، والصدى الدولي لهذا الملف، وهي تعلم-الحكومة- حتما بحجم الجدل المثار والمقبل أيضاً في ضوء ملف الهوية الوطنية وسحب جناسي مواطنات المادة الثامنة من بلدان عديدة منها بريطانيا.
التحول الكبير والمهم في حسبة الموازين لصالح الوحدة الوطنية والهوية الكويتية، تحتم مراجعة مهام وعمل الجهاز المركزي للمقيمين بصورة غير قانونية وخططه وربطه مع مهام ديوان حقوق الإنسان وآلية العمل قبل تحجيم الديوان وهذا يعني التفكير في ترتيبات سياسية جديدة.
الديمقراطية ليست ترفاً سياسياً واجتماعياً، بل إنها ضرورة حتمية للتطور السياسي والثقافي لصالح المحافظة على المكتسبات الديمقراطية وتطويرها، فالديمقراطية ليست تظاهرة للعواطف الجريحة، ولا البحث عن منبر للكلام عن الجروح الفردية، والمصالح الخاصة، والتقسيمات الاجتماعية الفرعية.
أعترف بأن محاور النقاش كانت فوق طاقتي الذهنية، حين اكتنف الغموض والضبابية لقرارات الحكومة، والتحفظ على شفافية بيانات ملفات حساسة خاصة بالهوية الوطنية، لذلك كانت مهمتي مرهقة وشائكة للغاية خصوصا فيما يتعلق بالهوية الكويتية، ومستقبل مواطنات المادة الثامنة.
بغض النظر عن طبيعة الرأي والرأي الأخر عن الكويت من منظور غربي وكويتي والخيارات المطروحة، لابد من الالتفات إلى أن كافة الآراء تهدف إلى وضع نهاية لحالة الاستقطاب والتجاذب السياسي والاجتماعي، وتفادي الدخول بجدل وسط أجواء مشحونة على مستويات مختلفة.
حسمت الآراء المختلفة الاتفاق على معاناة الكويت من تشرذم العمل الوطني المدني وتشتت التيارات السياسية الليبرالية، باستثناء التيارات الدينية المتشددة، وتيار جماعة الإسلام السياسي، "الإخوان"، وتمددهم في مفاصل الدولة والمجتمع، وهذا الحال لا يخدم الديمقراطية في الكويت وتطورها السياسي.
من المرجح، أو من غير المستبعد أن مع نهاية فترة المراجعة للتعديلات الدستورية المتوقعة، ستشهد الكويت هزة سياسية استثنائية نتيجة تحالفات اجتماعية جديدة مع التيارات الدينية المتشددة من دون استثناء جماعة "الإخوان المسلمين"!
*إعلامي كويتي