تتصاعد وتيرة التصريحات والتصريحات المضادة بين الولايات المتحدة وإيران، مما يوحي باحتمال نشوب حرب بين البلدين بعد انتهاء المهلة التي أعلنها الرئيس الأميركي ترامب لإيران لاستئناف المفاوضات بشأن برنامجها النووي و"أشياء أخرى"، وإلا فإن "أموراً سيئة جداً ستحصل لإيران"، كما ورد في أحد تصريحات ترامب حول الموضوع. وانشغلت وسائل الإعلام، ولا سيما العربية منها، ومواقع التواصل الاجتماعي، بتضخيم هاجس الحرب في ثنايا التصريحات الأميركية والإيرانية، وتعداد وتبيان حجم القوات الأميركية التي دخلت إلى منطقة المحيط الهندي والبحر المتوسط والقواعد القريبة من المنطقة، مما يشير إلى اقتراب قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد إيران، حسب تحليلات بعض المراقبين.
كل ما يحدث، وكل التعزيزات الأميركية في المنطقة، تدعم سياسة حافة الهاوية التي تمارسها الإدارة الأميركية في تعاطيها مع إيران، وتضخيم وسائل الإعلام العربية لاتجاه مضي الإدارة الأميركية بتوجيه ضربة عسكرية كبيرة لإيران يصب في هذا الاتجاه، سواء كان ذلك موجهاً بدافع المشاركة في هذا الجهد بقرار سياسي، أو ناتجاً من انعدام الخبرة في تناول الأحداث وتحليلها. لكن اللافت أن القيادة الإيرانية بدأت بإطلاق التصريحات التي تكشف انطلاء اللعبة عليها، من قبيل القول "إنّ إيران قد تتعرض لضربة شبيهة بما تعرض له العراق في عام 2003"، بالإضافة إلى تصريحات لمسؤولين آخرين باستعداد إيران لضرب قواعد ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة، التي يمكن اعتبارها تصريحات لطمأنة الداخل الإيراني أكثر منها لردع الولايات المتحدة عن عمل عسكري ضدها.
إقرأ أيضاً: هل العراق مستعد للسيناريو التالي؟
لا ينظر صاحب القرار الأميركي إلى الحرب مع إيران كما نراها نحن العرب، أي أنها لا تعدو أن تكون عمليات عسكرية باستخدام الصواريخ الموجهة والطائرات الحديثة التي تتفوق فيها الولايات المتحدة بأشواط على إيران، ومن ثم فإن العملية محسومة النتائج وفق هذه التحليلات. لكن الأمر لا يقف عند من يتفوق عسكرياً، بل لا يتوقف حتى على من يستطيع حسم نتائج الحرب لصالحه، لأن الحرب في منطقة الخليج تختلف عن الحرب في إفريقيا أو أميركا الجنوبية. الحرب في الخليج تعني احتمال انقطاع 40 بالمئة من إمدادات النفط عن العالم، مما يعني أيضاً ارتفاعاً بأسعار النفط يتجاوز 200 دولار للبرميل الواحد، ما سيؤدي إلى انهيار اقتصاديات الدول المستهلكة للنفط، وهو أمر لا تريده، ولا تسعى إليه الولايات المتحدة، فضلاً عن حلفائها الغربيين.
لن تنشب حرب بين الولايات المتحدة وإيران قبل تأمين مصادر طاقة بديلة عن نفط الخليج الذي سيتوقف نتيجة ظروف الحرب وتفاعلاتها، وهذا غير ممكن في الوقت الحالي، لا سيما في ظل استمرار انحسار النفط والغاز الروسيين عن الأسواق نتيجة الحصار الغربي على روسيا بسبب حرب أوكرانيا. ربما ستتصاعد نذر الحرب مع إيران بعد حصول اتفاق على وقف الحرب في أوكرانيا، وربما يكون هذا أحد العوامل الضاغطة على الرئيس الأميركي لتسريع إنهاء حرب أوكرانيا بأقرب وقت ممكن.
إقرأ أيضاً: امنحوا العالم منفذاً للخروج
يبقى ثمة احتمال آخر لم يتطرق إليه المحللون، وهو قيام إسرائيل بشن عمليات قصف جوي وصاروخي ضد منشآت البرنامج النووي الإيراني، لا سيما أن الجيش الإسرائيلي نفذ تدريبات لمحاكاة هجوم جوي ضد المنشآت النووية الإيرانية. وهذا الهجوم سيكون مدعوماً استخباراتياً ولوجستياً من الولايات المتحدة والدول الغربية، وكذلك ستعمل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية على تحجيم رد الفعل الإيراني المحتمل على الضربة الإسرائيلية لإيران، كما حصل أثناء الرد الإيراني على عملية اغتيال هنية من قبل إسرائيل داخل إيران. يبقى هذا الاحتمال مرجحاً بشدة في الوقت الحالي على احتمال شن الولايات المتحدة بنفسها عمليات عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، ما يفتح الباب لأزمات اقتصادية وسياسية كبيرة في المنطقة والعالم