في زمن الحرب الباردة، كان امتلاك القنبلة النووية يعني امتلاك مفاتيح الهيمنة على العالم، وكانت العقيدة الأمنية للدول العظمى قائمة على مبدأ الردع النووي وبناء توازن رعب يمنع الحرب الكبرى. لقد كانت معادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها خطيرة في عمقها؛ كل طرف يمتلك من أدوات الدمار ما يكفي للقضاء على الآخر، وكان هذا التهديد المتبادل كفيلًا بمنع المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى. لم تكن الأسلحة النووية مجرد أدوات حرب، بل أدوات سياسة وردع، شكلت جوهر العقيدة الأمنية لعقود طويلة. إلا أن العالم اليوم يشهد تحولات جذرية تعيد رسم ملامح العقيدة الأمنية، حيث لم يعد التفوق مرهونًا بالقوة النووية فحسب، بل أصبح محكومًا بالتفوق الرقمي، والقدرة على إنتاج وتوظيف الذكاء الاصطناعي.
إنَّ الذكاء الاصطناعي بات يشكل سلاح القرن الحادي والعشرين، حيث تتنافس الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، على تطوير أنظمة ذكية قادرة على إدارة الحروب، واتخاذ القرار العسكري في أجزاء من الثانية، بل وتنفيذ مهام هجومية دون تدخل بشري مباشر. إنَّ سباق الذكاء الاصطناعي يشبه في بعض جوانبه سباق التسلح النووي، لكنه أكثر تعقيدًا وأقل تكلفة وأوسع انتشارًا. الخطر اليوم لم يعد يأتي فقط من صواريخ عابرة للقارات، بل من خوارزميات قادرة على اختراق أنظمة الطاقة، أو التحكم في الرأي العام، أو حتى التنبؤ بخطوات الخصم قبل وقوعها. العقيدة الأمنية الحديثة باتت تشمل الأمن السيبراني، والتحصين المعلوماتي، وبناء منظومات رقمية محصنة، ولم تعد حكرًا على الجيوش، بل دخلت إلى عمق المجتمع، والاقتصاد، والمؤسسات المدنية.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، تعكف دول كثيرة، ومن ضمنها المملكة العربية السعودية، على إعادة بناء عقيدتها الأمنية بما يتوافق مع هذه التحولات. فالتحديات الجديدة تستدعي عقيدة أمنية ذكية، مرنة، وشاملة، تتجاوز المفهوم التقليدي للحرب والدفاع، وتدمج بين الردع العسكري التقليدي والتفوق التقني في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبرى. ومن هنا، فإن العقيدة الأمنية لم تعد مجرد تصور عسكري، بل رؤية استراتيجية متكاملة تشمل الحماية الفكرية، والسيبرانية، والمجتمعية، وتسعى إلى الاستباق بدلًا من الاكتفاء بالرد.
لقد تغيّر منطق القوة، ولم يعد الامتلاك المادي وحده هو الفيصل، بل القدرة على التوقع والتحكم واتخاذ القرار الفوري عبر أدوات ذكية. في الماضي، من يملك القنبلة النووية يملك القرار، أما اليوم، فمن يملك الذكاء الاصطناعي يملك المستقبل. العقيدة الأمنية في عصر الرقمنة تتطلب فلسفة جديدة تقرأ المتغيرات وتستوعب التعقيد، وتوظف التقنية لخدمة الأمن لا فقط لمجرد التفاخر بالتقدم. إنها معركة من نوع مختلف، فيها الردع رقمي والانتصار لمن يفكر أسرع ويتصرف أذكى.