: آخر تحديث

في بلاد النعيم

9
8
7

 

في بقعة بعيدة من هذا العالم، هناك حيث امتزجت رائحة القهوة مع صوت المطر، وفي ولاية لويزيانا الأميركية تحديداً، قضيتُ ما يزيد على عامٍ ونصف، أعمل لساعات طويلة في متجر عربي، أعدّ فيه السندويشات، وأرتّب البضائع، وأبتسم في وجه الزبائن، رغم التعب الذي يحفر عميقاً في ملامحي. لم تكن تلك التجربة هي الأولى لي في أميركا، فقد سبقها أكثر من ست عشرة رحلة، حملتني من بلد إلى بلد، ومن مطار إلى مطار، ومن حلم إلى آخر. ولكن هذه الرحلة كانت مختلفة؛ كانت الأثقل وطأة، والأكثر صدقاً مع نفسي، وربما، الأكثر مرارة.

كان صديقي الذي يتابع أخباري عن كثب، يُلحّ عليَّ بالحديث كلما سنحت الفرصة، ويعلّق بأسى على واقع معيشتي هناك: "أتغترب كل هذا الوقت لتكسب القليل، وتبعث ما تبقى منه إلى عائلتك في سوريا؟". سؤاله لم يكن جديداً، لكنه في تلك الليلة بالذات، أيقظ شيئاً في داخلي. وجعلني أسترجع رحلة النزوح التي عاشتها أسرتي من الرّقة إلى اللاذقية، كما حال الكثيرون من الأهالي في سوريا، بعدما استحالت الحياة في مدينتنا الأولى إلى جحيم لا يُطاق. انفجرت الحرب، وانتشرت العصابات المسلحة، وعمّ القتل والدمار. ففقدنا الأمن، ثم فقدنا الطمأنينة، وأخيراً فقدنا قدرتنا على الحلم.

في لويزيانا، كنت كأنني أسير على خط رفيع، بين الحاجة للبقاء والحلم بالرحيل. عملٌ شاق، مقابل دخل محدود، بالكاد يكفي قوتي، ويعيل أسرتي المتعبة هناك. وكنتُ، في كل مساء، بعد أن أستلقي مرهقاً، ألجأ إلى الهاتف. أبحث عن أخبار الأصدقاء الذين سبقوني إلى أوروبا. أولئك الذين عبروا البحار والحدود، وجازفوا بكل شيء لأجل حياة جديدة. كل واحد منهم أصبح خريطة لرحلتي القادمة. أسألهم: كيف الحياة؟ كيف الناس؟ أي البلاد أقرب للروح؟ وأيها أكثر إنصافاً للغريب؟

كانت النمسا دوماً تتكرّر على ألسنتهم. قالوا إنها بلد جميل، آمن، طيّبٌ بأهله، كريمٌ في احتوائه للنازحين. وكنت أتابع صورهم من سالزبورغ، من غراتس، من فيينا. صور لهم وهم يتناولون القهوة في مقاهٍ هادئة، أطفالهم يذهبون إلى المدارس، وجوههم أكثر اطمئناناً، أقلَّ شحوباً. والحديث معهم جعل الحلم أكثر قرباً. بدأت أشعر أني أعيش مؤقتاً، وأن الرحيل بات حتمياً.

شاركت القرار مع عبدالحكيم، من الأردن رفيقي في السكن. كان حريصاً عليّ كأخ أكبر، حذّرني من مغبّة الخطوة، وقال لي إنّ البقاء في أميركا، رغم الصعاب، هو خيار أكثر ضماناً. فهنا الفرص كثيرة، والناس اعتادوا على المهاجرين، والنجاح، وإن تأخّر، إلّا أنّه ممكن. لكنني كنت قد اتخذت القرار، أو ربما هو من اتخذني.

كنت أعرف أنّ هذه الخطوة ليست سهلة. ستأخذ مني مالاً، وقتاً، وربما قطعة من الأمل. لكنني كنت على استعداد لدفع كل شيء مقابل أن أعيش مع أسرتي، أن أضمّ أولادي وزوجتي إلى صدري من جديد، أن نعيش في بيت واحد، نضحك، نختلف، نأكل معاً... فقط معاً.

جهّزت نفسي للرحيل. حجزت التذكرة من لويزيانا إلى فيينا، مروراً بإسطنبول. لم أكن أملك الكثير، سوى حقيبتين وبعض الملابس، وجهاز كمبيوتر يحمل ذكرياتي وصوري القليلة. وفي مطار لويزيانا واجهت أولى مشكلات السفر: الوزن الزائد! اضطررت لشراء حقيبتين جديدتين، وأعدت ترتيب أغراضي في المطار، وسط ازدحام الركاب ونظرات الاستغراب.

كنتُ أعلمُ أنَّ رحلتي لن تنتهي في إسطنبول، بل في قلب فيينا، حيث كنتُ سأسلّم نفسي لشرطة المطار وأطلب اللجوء. وخطتي كانت أن أتخلص من جواز سفري وبطاقة الصعود إلى الطائرة، لأدّعي أنّي بلا أوراق، كما نصحني بعض من سبقني. لكني لم أستطع. شعرت أن جواز السفر، رغم كل شيء، يُمثل شيئاً من كرامتي وهوية بلدي الممزق.

وصلت فيينا بعد أكثر من ثماني ساعات طيران، ثم انتظرت أكثر من عشر ساعات أخرى في صالة الترانزيت. تجولت بين أروقة المطار بحثاً عن شرطي. حين وجدته، كتبت على ورقة: "أنا سوري، جئت من أميركا، أطلب اللجوء الإنساني". لم يقل شيئاً، فقط أومأ لي بالرأس، ورافقني إلى مركز الشرطة.

في المركز، بدأ فصل جديد من فصول الانتظار. أربع ساعات أخرى قضيتها هناك، أجيب على الأسئلة، أقدّم ما أملك من إثباتات. بعدها، تم نقلي إلى مركز إيواء قرب المطار، وهناك قضيت ليلتين، قبل أن أُنقل إلى مركز "تراس كيرخن" الرئيسي. ثلاثة أيام قضيتها في المركز، خضعت لفحوصات طبية، وصور، وتوثيق شامل. وهناك رأيت وجوهاً شبيهة بي، لا فرق بيننا سوى اللهجة أحياناً.

ثم تم نقلي إلى مدينة غراتس، مع عدد من اللاجئين، أغلبهم من السوريين. سبعة أشهر كاملة عشتها هناك. شهور من الترقّب، الدراسة، الانتظار، والعلاقات الجديدة. ثم جاء القرار: حق الحماية الدولية، الإقامة الدائمة في النمسا.

كان اليوم الذي انتقلت فيه إلى فيينا يوماً مشمساً. شعرت كأن السماء تمطر لي وحدي. تقدّمت بطلب لمّ شمل أسرتي، أرسلت الأوراق إلى السفارة النمساوية في بيروت، وبدأت رحلة جديدة من الأوراق، المقابلات، الرسوم، والانتظار. وكان كل شيء أصعب حين علمت بما تعرضت له عائلتي في سوريا من ابتزاز وتهديد مقابل جوازات سفرهم، من قبل بعض الفاسدين، لكننا صمدنا.

وبفضل الله، تمّت الإجراءات، وجاء اللقاء المنتظر. احتضنت أطفالي بعد سنوات من الشوق. بكيت، بكى قلبي، وبكت الأيام التي سرقها الغياب.

اليوم، نعيش حياة بسيطة، هادئة، مغموسة بالامتنان. لسنا أثرياء، لكننا معاً. ولسنا في الوطن، لكننا معاً، وهذا وحده وطن. أما من بقي في سوريا، فهم يحاربون بصمت، يصمدون كل يوم أمام واقع لا يُطاق، ويشربون من كأسٍ مرّ لا يَنضب.

نعم، إنَّ مشوار الألف ميل بدأ بخطوة. خطوتها ذات مساءٍ حزين، لكنها قادتني إلى نور... إلى دفءٍ افتقدته طويلاً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.