: آخر تحديث
ما هي الأسس وما أبرز التحديات:

بناء الجيش العربي السوري الجديد

7
6
6

يمثل سقوط نظام بشار الأسد الهارب وحل الجيش السوري نقطة تحول حاسمة في تاريخ سوريا الحديث، حيث يفتح الباب أمام بناء دولة جديدة ومؤسسات وطنية قوية. ومن بين أهم هذه المؤسسات، يبرز الجيش السوري الجديد كضمانة للأمن والاستقرار في البلاد والمنطقة.

إن بناء جيش سوري جديد ليس مجرد مسألة فنية أو عسكرية، بل هو مشروع وطني شامل يتطلب تضافر جهود جميع مكونات الشعب السوري، وتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية والمناطقية التي مزقت البلاد. وتكمن أهمية بناء جيش سوري جديد في أنه يمثل الضمانة الأساسية لحماية الأمن والاستقرار في البلاد، وردع أي تهديدات خارجية أو داخلية، كما يساهم في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ومنع أي محاولات لتقسيم البلاد أو المساس بسيادتها، ويساهم الجيش الجديد أيضاً في بناء علاقة ثقة بين الجيش والشعب، وتعزيز قيم المواطنة والانتماء الوطني، ويمكن للجيش الجديد أن يلعب دورًا هامًا في تحقيق العدالة والمصالحة في البلاد، من خلال محاسبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان، وأيضاً يمكن للجيش الجديد أن يساهم في تعزيز مكانة سوريا الإقليمية والدولية، واستعادة دورها كدولة فاعلة في المنطقة.

في هذه المقالة، سنستعرض الأسس التي يجب أن يقوم عليها الجيش السوري الجديد، والتحديات التي تواجه عملية بنائه، والخطوات اللازمة لضمان نجاح هذه العملية.

أ‌- أسس بناء الجيش السوري الجديد:
إنَّ بناء أي جيش يجب أن يعتمد على أسس وأهم هذه الأسس:

1- الأسس الوطنية:
يعتمد الجيش الجديد أسساً وطنية كي يعكس التنوع العرقي والديني والثقافي في سوريا، إذ يجب أن يكون التمثيل في الجيش عادلاً ومتوازناً، بحيث يشعر جميع السوريين بأنهم جزء منه، ويمكن تحقيق ذلك من خلال وضع معايير واضحة للقبول في الجيش، تستند إلى الكفاءة والجدارة، وليس إلى الانتماءات الطائفية أو العرقية أو المناطقية أو الحزبية، كما يجب أن يكون الجيش الجديد مؤسسة وطنية موحدة، تتجاوز الانقسامات التي مزقت البلاد، ويجب أن يتم بناء الجيش على أساس الولاء للوطن والشعب السوري، وليس على أساس الولاءات الضيقة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال وضع برامج تدريبية وتثقيفية تهدف إلى تعزيز قيم الوحدة الوطنية والتسامح والتعايش، كما يجب أن يكون ولاء الجيش الجديد للوطن والشعب السوري، وليس للأفراد أو الأحزاب السياسية، ويجب أن يكون الجيش مؤسسة محايدة، تلتزم بالدستور والقانون، وتحترم حقوق الإنسان، ويمكن تحقيق ذلك من خلال وضع قوانين وتشريعات تنظم عمل المؤسسة العسكرية، وتضمن استقلاليتها وحيادها. ولهذا، يجب أن يكون هناك قيادة للجيش السوري الجديد ذات كفاءة عالية ووطنية وولائها لسوريا وشعبها فقط. إن بناء الجيش على أسس وطنية يساهم في بناء جيش قوي ومتماسك، قادر على حماية البلاد من أي تهديدات خارجية أو داخلية، كما تساهم الأسس الوطنية في بناء الثقة بين الجيش والشعب السوري، وتعزيز قيم المواطنة والانتماء الوطني، كما تساهم الأسس الوطنية في تحقيق العدالة والمصالحة في البلاد، من خلال تجاوز الانقسامات التي مزقت المجتمع السوري.

2- الأسس المهنية:
يعتمد بناء جيش جديد ومتطور على أسس مهنية يمتلك من خلالها القدرات والكفاءات اللازمة لحماية البلاد كالضباط المنشقين عن جيش الأسد الهارب المهنيين وأصحاب الخبرة العسكرية الإستراتيجية، ويتطلب ذلك إجراء تقييم شامل للاحتياجات الدفاعية لسوريا، وتحديد أنواع القوات والمعدات المطلوبة، كما يجب التركيز على بناء قوات برية وجوية وبحرية متوازنة، قادرة على التعامل مع مختلف التهديدات يتضمن ذلك دمج التقنيات العسكرية الحديثة، مثل أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وأنظمة الاستطلاع والمراقبة، والأسلحة الذكية ويتطلب ذلك إنشاء أكاديميات ومعاهد عسكرية حديثة، تعتمد على مناهج تدريب متطورة، يجب الأخذ بعين الاعتبار توفير المعدات والتقنيات العسكرية الحديثةوهذا يتطلب ذلك تخصيص ميزانية كافية لتحديث وتطوير المعدات العسكرية، ويتضمن ذلك إنشاء صناعات عسكرية محلية، لتلبية جزء من احتياجات الجيش.

3- الأسس الأخلاقية:
إن بناء جيش يلتزم بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، يتطلب تضمين مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في المناهج التدريبية للجيش، ويجب وضع قواعد سلوك واضحة للجنود، تحظر استخدام القوة المفرطة، أو ارتكاب أي انتهاكات لحقوق الإنسان، ومن الضروري إنشاء آليات للرقابة والمحاسبة، لضمان التزام الجنود بالقانون ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسانوهذا يتطلب إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في جميع جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت خلال الصراع، يجب تقديم المسؤولين عن هذه الجرائم إلى العدالة، لضمان عدم إفلاتهم من العقاب، كما يجب تعزيز قيم النزاهة والشفافية في المؤسسة العسكرية، وهذا يتطلب وضع قوانين وتشريعات تمنع الفساد في المؤسسة العسكرية ولهذا يجب إنشاء آليات للرقابة والمساءلة، لضمان الشفافية في جميع العمليات العسكرية.

4- الأسس القانونية:
يعتمد بناء الجيش بشكل أساسي على وضع دستور جديد للبلاد يحدد مهام الجيش وواجباته، وهذا يتطلب تضمين مواد في الدستور تحدد مهام الجيش، وتضمن استقلاليته وحياده، وتحديد العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية، وفي نفس السياق يجب إصدار قوانين وتشريعات تنظم عمل المؤسسة العسكرية ويتطلب ذلك إصدار قوانين تنظم التجنيد والترقيات والتقاعد في الجيش، ويجب إنشاء آليات رقابة ومساءلة فعالة للحد من الفساد والتجاوزات ويتطلب ذلك إنشاء هيئات رقابية مستقلة، لمراقبة عمل الجيش، والتحقيق في أي تجاوزات، كما يجب وضع آليات لتقديم الشكاوى، لتمكين الجنود والمدنيين من الإبلاغ عن أي تجاوزات.

5- الأسس المجتمعية:
إن أهم أسس بناء الجيش بعد الحرب المدمرة التي مرت بها سوريا والشعب السوري يجب التأكيد على بناء علاقة ثقة بين الجيش والشعب السوري وهذا يتطلب قيام الجيش بدور فعال في خدمة المجتمع، وتقديم المساعدة للمدنيين في حالات الطوارئ، ويجب أن يكون الجيش شفافًا في عملياته، وأن يقدم معلومات للجمهور حول أنشطته، ويجب إشراك المجتمع المدني في عملية بناء الجيش الجديد من خلال إشراك المجتمع المدني في مراقبة عمل الجيش، وتقديم التوصيات لتحسين أدائه، وتوفير الدعم اللازم لأسر الشهداء و الجرحى وهذا يتطلب إنشاء صندوق لدعم أسر الشهداء والجرحى،كما يجب تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لأسر الشهداء والجرحى.

ب ‌- التحديات التي تواجه عملية بناء الجيش السوري الجديد:
إنَّ بناء جيش سوري جديد يواجهه العديد من التحديات الأمنية يمكن أن نوجزها بما يلي:

1- التحديات الأمنية:
لا تزال سوريا تعاني من وجود جماعات مسلحة مختلفة، بما في ذلك جماعات إرهابية، تسيطر على مناطق واسعة من البلاد. يشكل ذلك تهديدًا كبيرًا للأمن والاستقرار، ويعيق عملية بناء الجيش الجديد، كما أدى الصراع إلى انتشار واسع للأسلحة في جميع أنحاء البلاد، مما يزيد من صعوبة السيطرة على الوضع الأمني، ويجب ألا نغفل عن أهم التحديات وهي تدخل قوى إقليمية ودولية مختلفة في الشأن السوري، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني، ويعيق عملية بناء الجيش الجديدن ويمكن أن نقول بأن أهم التحديات الأمنية هو انخراط الغرباء من غير السوريين في الجيش السوري الجديد ومنحهم رتب عُليا ومناصب رفيعة في ذلك الجيش واستبعاد الضباط المنشقين عن الجيش السابق أصحاب الكفاءات العلمية العسكرية الاستراتيجية والمهنية.

2- التحديات السياسية:
تعاني سوريا من انقسامات سياسية عميقة، وصراعات على السلطة بين مختلف الفصائل والقوى السياسية يشكل ذلك تحديًا كبيرًا أمام بناء جيش موحد، يمثل جميع مكونات الشعب السوري، ولعل أهم التحديات السياسية هو فقدان المؤسسة العسكرية السورية ثقة الكثير من السوريين بسبب تورطها في انتهاكات لحقوق الإنسان خلال الصراع وهذا ساهم في صعوبة تحقيق المصالحة الوطنية وهو أمر صعب في ظل الانقسامات العميقة في المجتمع السوري.

3- التحديات الاقتصادية:
دمر الصراع الاقتصاد السوري، وأدى إلى نقص حاد في الموارد المالية وهذا يشكل ذلك تحديًا كبيرًا أمام توفير التمويل اللازم لبناء جيش حديث ومتطور، كما أدى الصراع إلى تدهور كبير في البنية التحتية، بما في ذلك البنية التحتية العسكرية، مما يزيد من تكلفة بناء الجيش الجديد، ويشكل الفساد أيضا تحديًا كبيرًا أمام استخدام الموارد المالية بكفاءة في بناء الجيش الجديد.

4- التحديات الاجتماعية:
أدى الصراع إلى تفاقم الانقسامات المجتمعية في سوريا، وتدمير النسيج الاجتماعي يشكل ذلك تحديًا كبيرًا أمام بناء جيش يعكس التنوع السوري، ويحظى بثقة جميع مكونات الشعب، كما يتطلب بناء جيش جديد دمج المقاتلين من مختلف الفصائل، وهو أمر صعب في ظل الانقسامات العميقة بينهم، لقد عانى الكثير من السوريين من صدمات نفسية خلال الصراع، مما يؤثر على قدرتهم على المشاركة في بناء الجيش الجديد، إضافة لذلك كله يجب الإشارة إلى مسألة جمع السلاح من المجموعات المختلفة، حيث أن هذا الموضوع يعتبر أساسيًا في عملية بناء جيش موحد.

للتغلب على هذه التحديات، يجب على السوريين العمل معًا، وبدعم من المجتمع الدولي، على بناء جيش جديد يمثل جميع مكونات الشعب السوري، ويلتزم بالمعايير المهنية والأخلاقية والقانونية.

الخاتمة:
خلاصة القول يجب على جميع مكونات الشعب السوري، بما في ذلك القوى السياسية والمجتمع المدني، العمل معًا لتحقيق هدف بناء جيش وطني موحد، ويمكن للدول الإقليمية أن تلعب دورًا هامًا في تقديم الدعم المالي والتقني للجيش السوري الجديد، والمساهمة في تحقيق الاستقرار في المنطقة دون المساس بتركيبته والتدخل بقراراته، كما يمكن للمجتمع الدولي أن يقدم الدعم السياسي والمالي والتقني لسوريا، ويساهم في بناء جيش يلتزم بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ويمكن للدول التي مرت بتجارب مماثلة أن تقدم خبراتها وتجاربها لسوريا، وتساعدها في تجاوز التحديات التي تواجهها، يجب التأكيد على أن بناء جيش سوري قوي ومتماسك هو أساس الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة ويمثل الضمانة الأساسية لحماية الأمن والاستقرار في سوريا وردع أي تهديدات داخلية، ويمكن للجيش السوري الجديد أن يساهم في تحقيق الاستقرار في المنطقة، من خلال التعاون مع دول الجوار في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ومن الضروري أن يساهم الجيش الجديد في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ومنع أي محاولات لتقسيم البلاد أو المساس بسيادتها، ومن هنا يمكن للجيش السوري الجديد أن يلعب دورًا هامًا في بناء الثقة بين الجيش والشعب، وتعزيز قيم المواطنة والانتماء الوطني، إضافة لذلك يجب التأكيد على أن بناء الجيش السوري الجديد هو عملية طويلة ومعقدة، تتطلب صبرًا وتصميمًا، كما أن بناء الجيش السوري الجديد هو جزء من عملية شاملة لبناء دولة سورية جديدة تقوم على أسس الديمقراطية والعدالة والمساواة، وختامًا يمكن القول إن بناء جيش سوري جديد وقوي ومتماسك هو ضرورة حتمية لتحقيق الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة، ويتطلب ذلك تضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية، والالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية والقانونية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.