: آخر تحديث
حديث الجن في زمن العلم: حين يصبح الجن شماعة للعجز، والدين ستاراً للدجل

تحدّث المديفر وصمت الطب

7
7
8

أثارت مقابلة إعلامية جمعت بين المذيع عبدالله المديفر وساحر "تائب"، جدلاً حول ما يُعرف بظاهرة تلبّس الجن بالإنس، إذ تحدث الضيف عن تجاربه السابقة في "تحضير الجن" و"دخولهم" في أجساد البشر. وكم هو مؤلم أن تُفتح هذه الملفات في الإعلام دون تمحيص علمي أو ضبط شرعي، فتُقدَّم القصص الفردية المثيرة على أنها "حقائق مطلقة"، بينما تُهمل آراء العلماء الراسخين والمؤسسات العلمية الرصينة التي فَنَّدت هذه الظاهرة عقلاً ونقلاً.

القول بتلبّس الجن بالإنس شائع في الثقافة الشعبية والدينية لدى بعض المسلمين، ويُستدل عليه غالباً ببعض الآيات، والروايات، والتجارب الشخصية. لكن عند التمحيص، يتبين أن هذا القول لا يقوم على دليل قطعي، حيث يعارض المنهج العلمي والشرعي في أكثر من موضع:

أولاً: رأي الشيخ علي الطنطاوي

العلامة علي الطنطاوي – وهو من أفقه المعاصرين وأعمقهم عقلاً – رفض فكرة تلبّس الجن بالإنس بوضوح. حيث قال في أكثر من موضع:

"لو أن الجن دخل في جسد رجل، لاحتاج الأمر إلى نسف كل قوانين الفيزياء والكيمياء والتشريح. وهذا كلام لا يصدق".

كما أكد أن:

القرآن لم يذكر دخول الجن في الإنس، وإنما تحدث عن الوسوسة. فالجن مخلوق غيبي لا يجوز أن نحمّله كل ظاهرة لا نفهمها. وكثير ممن يدّعون إخراج الجن هم دجالون يعتاشون على خوف الناس وجهلهم.

ثانياً: من أبرز الأدلة التي تُطرح في هذا السياق قول الله تعالى: "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس".

وهذه الآية:

تشبيه بلاغي يُشبّه اضطراب آكل الربا بما كان يُعتقد في الجاهلية أن المجنون مصاب بمسّ الشيطان. و"المسّ" في اللغة لا تعني "الدخول"، بل تعني الوسوسة أو التأثير أو الإغراء، كما في قوله تعالى على لسان أيوب: "إنّي مسّني الشيطان بنُصبٍ وعذاب".

وفي التفسير الحديث للآية ينسجم مع رأي المفسرين العقلانيين أن الله لم يُثبت حقيقة علمية وإنما استخدم تصوراً اجتماعياً معروفاً ليقرّب الصورة.

ثم إن جميع المؤسسات العلمية الغربية الكبرى التي تدرس الظواهر النفسية، لم تثبت أي دليل مادي أو علمي على أن "الجن يدخلون أجساد الناس"، وإنما فسّرت الحالات المنسوبة إلى التلبّس بأنها:

- اضطرابات نفسية مثل الفصام schizophrenia أو اضطراب الهوية الانفصامية.

- أعراض عصبية مثل الصرع أو النوبات العصبية المؤقتة.

- تأثير ثقافي حيث يؤدي الإيمان بالجن دوراً في تشكيل المفاهيم.

رابعاً: المنظور التربوي والتحذير من الغلو

من الخطر أن نترك أطفالنا وطلابنا وشبابنا فريسة لفكرة أن كل اضطراب نفسي أو عصبي أو حتى فشل في الحياة سببه "جن تلبّس به". وهذا يُغيّب المسؤولية الشخصية، ويفتح الباب أمام:

- الدجل باسم الدين؛ حيث يزعم البعض القدرة على إخراج الجن مقابل أموال طائلة.

- التكاسل عن العلاج الطبي، فيعرض المريض النفسي أو العصبي حياته للخطر، ظنّاً أنه "ممسوس" لا مريض.

- ضياع الحقوق القانونية والشرعية، فقد تُقيّد المرأة أو يُعنّف الطفل أو يُقتل بدعوى "إخراج الجن"، دون أي دليل.

إذاً، الإيمان بوجود الجن أمر ثابت في القرآن والسنة، ولا يخالفه عاقل. لكن:

- لا يجوز التمادي في ربطهم بكل ما نجهل أو نخاف.

- الأصل أن ما يُفسَّر علمياً يُردّ إلى العلم، وما لا نعرفه، نلتمس له الحذر والتريّث.

- الوسوسة حق، والإغواء حق، لكن الدخول الجسدي والتلبّس المباشر لا دليل عليه من كتاب أو سنة صحيحة صريحة.

المسؤولية عظيمة، وخطورة الطرح غير العلمي كبيرة. ليس كل تائب صادق في نقله، وليس كل قصة صادقة في مضمونها. وعليه:

- لا بد من التوازن بين الاعتراف بالغيب الذي أخبر به الشرع، والاستفادة من أدوات العلم الحديث في تفسير الظواهر. يقول تعالى "ولا تقفُ ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً."

ليست القضية في إنكار الغيب، وإنما في التمييز بين ما غيّبه الله عنا، وما توهّمه بعضنا وصدّقه كثيرون. ولعل من الحكمة أن نختم بقول الشيخ الطنطاوي: "لو أن عقولنا توقفت، لصار الجن هم من يكتبون مناهجنا، ويشخّصون أمراضنا، ويقرّرون مصائرنا".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.