: آخر تحديث

عبد الله العجمي.. نبراسٌ في زمن العتمة

4
5
4

في زمنٍ تتكاثر فيه الضوضاء ويغيب فيه الصوت الحقيقي خلف ضبابٍ من الصخب، يبرز اسمٌ مثل عبد الله العجمي كحضورٍ استثنائي، ليس فقط في ذاكرة الصحافة، بل في ذاكرة الروح ذاتها. رجلٌ لم يكن يوماً مجرد ناقلٍ للأخبار أو ساردٍ للحكايات، بل كان - ولا يزال - شاهداً حيّاً على عصرٍ بكامل تضاريسه، وانعكاساً لمرحلةٍ كانت الكلمة فيها لا تُكتب إلا لتُحمل على الأكتاف، ولا تُقال إلا حين تكون أمانةً في ضمير الكاتب، قبل أن تكون متاعاً في سوق التفاعل السريع.  

وُلد العجمي في زمنٍ كانت فيه الصحافة ورشة حياة، وبيتاً للفكرة، ومنبراً للصوت العام. لم يكن الانتماء آنذاك إلى المؤسسات، بل إلى المعنى، إلى شرف الكلمة، إلى تلك النار الصغيرة التي توقدها الحروف في صدور الناس. الصحافة، يومها، لم تكن مهنة بقدر ما كانت رسالة، ولم يكن الصحافي موظفاً، بل كان شاهداً، وكاشفاً، ومقاتلاً بالكلمة.  

من يقرأ ما سبق أن كتبه عبد الله العجمي، سواء عبر زاويته الأسطورية "كاريكانت" التي خلّدها في صفحات مجلة "الصقر" الرياضية، أو عبر منشوراته الإلكترونية التي تُحاك بلغةٍ ذات نَفَسٍ حقيقي، لا يسعه إلا أن يشعر أنه أمام آخر الفرسان في زمنٍ ترهّل فيه كل شيء. زاويته لم تكن مجرد مساحة أسبوعية تُملأ بخفة، بل كانت صالوناً فكرياً وأدبياً ورياضياً في آنٍ، تلتقي فيه رشاقة العبارة بصرامة الموقف، ويلتقي فيه الفن الساخر بعمق الرؤية.  

إقرأ أيضاً: في بلاد النعيم

حين نتمعن في سيرة العجمي، لا يمكننا أن نفصل بين النصّ والإنسان، بين الحرف والوجدان. هو ممن عاشوا المهنة لا كوظيفة، بل كحياة كاملة. عرف نجوم الرياضة ليس كمعلقٍ من مقعدٍ خلفي، بل كمرافقٍ لرحلةٍ كاملة، كمَن وقف معهم في بهو النصر، وفي زاوية الخيبة، في لحظة التصفيق، ولحظة الانكسار. تلك العلاقة التي تتجاوز "السبق الصحفي" إلى شيءٍ أكثر جوهرية: علاقة الثقة، والاحترام، والمعايشة.  

لقد كتب العجمي في الزمن الذي كان فيه الحرف أشبه بالعَهد، لا يُرمى جزافاً، ولا يُزخرف للتزيين، بل يُكتب بشرفٍ يشبه شرف الجندية. لا عجب إذن أن نستشعر في نصوصه شيئاً من النُبل القديم، من روح الفرسان الذين يكتبون كما لو أنهم يودعون أعمارهم في كل سطر، لا يسعون للشهرة، بل للحقيقة. ربما لهذا، حين تقترب من كتاباته، تشعر أنها لا تُقرأ بل تُشرب، تتسرّب إليك كما يفعل الشعر أو الدعاء، وتُوقظ فيك ما حسبته قد ذبل أو مات.  

في زمن الانكسارات المتتالية، ظل العجمي واقفاً على حافة الحرف، لا يتراجع، ولا ينكفئ. كأنما هو آخر الحراس على بوابة المعنى، يقف وفي يده شعلةٌ تضيء الطريق، رغم عتمةٍ تتكاثف من كل صوب. لم يكن غيابه عن المنصات الكبرى انسحاباً، بل اختياراً لموقعٍ أكثر صدقاً: أن تكتب بعيداً عن الصفقات، أن تشهد دون أن تكون جزءاً من المشهد المتآكل.  

إقرأ أيضاً: رحلة بين عالمين مختلفين

ومن منصته الرقمية، يكتب عبد الله العجمي اليوم كما لو أنه يهمس في أذن هذا الزمن المرهق: "ما زال في الحرف حياة، وما زالت في الكتابة نجاة". في منشوراته الفيسبوكية، التي تفيض بذكاءٍ ومرارةٍ ومودة، لا يكتفي بالتعليق، بل يُعيد خلق الواقع، يكشف زيفه، ويزرع فيه شيئاً من الحقيقة الصغيرة. لا يكتب من بُرجٍ عاجي، بل من أرضٍ يعرف تضاريسها، من شوارع يعرف أسماءها، وناسٍ يعرف ملامحهم.  

تستوقفنا هذه الكتابات لا لأنها متقنة وحسب، بل لأنها حقيقية، لأنها صادرة من قلبٍ لم يصدأ، وعقلٍ لم يُستلب، وقلمٍ لا يزال يعرف الفرق بين الجُرح والزينة. سطوره ليست مجرد آراء عابرة، بل هي محاولاتٌ دؤوبة لترميم هشاشتنا، لمقاومة التكلّس العام، لإنعاش ذاك الجزء فينا الذي أوشك أن يُطفأ.  

وهنا، لا بد أن نقف أمام "كاريكانت"، تلك الزاوية التي كانت بمثابة مختبر ساخر وفني، يشتبك مع الحدث، ويعلّق عليه لا بالسخرية الفارغة، بل بسخرية تنبع من حبٍ عميق وحرص أشد. كانت بمثابة مرآة تعكس الواقع، ولكن بزجاجٍ صقيل، يكشف ويُحرج ويعلّم. لم يكن الهدف منها فقط الإضحاك، بل الإيقاظ. وهذا هو الفن العظيم: أن تُضحك عين القارئ بينما تُبكي قلبه.  

إقرأ أيضاً: ملتقيات الفن هل هي مضيعة للوقت؟

وعلى صعيدٍ أوسع، فإن عبد الله العجمي يمثل جيلاً بكامله، الجيل الذي بنى الصحافة الرياضية كما نعرفها اليوم، الجيل الذي صنع للرياضة هوية ثقافية، وجعل من الملعب امتداداً للشارع، ومن الكرة مرآةً للمجتمع. كان صحافيو ذاك الجيل يقفون في نقطة تقاطع بين الرياضي والفنان، بين المحلل والمثقف، بين الكاتب والمواطن. كانوا يحفرون في النصوص، لا لمجرد التغطية، بل لصناعة الوعي.  

ولعل ما يزيد من فرادة تجربة العجمي هو أنه لم يكتفِ بالاحتفاء بالماضي، بل ظل دائماً حاضراً في اللحظة، يُعيد فهم الحاضر، ويقاوم ابتذاله. لم يسقط في فخ الحنين الساذج، بل استخدم الذاكرة كمِعولٍ لكشف الحاضر، وكأداةٍ لطرح الأسئلة الصعبة. ظل مُمسكاً بالبوصلة، حتى حين ضاعت الخرائط.  

والحديث عن عبد الله العجمي لا يكتمل دون الإشارة إلى بعده الإنساني. فبعيداً عن الكتابة، هو "أبو عائشة" كما يُنادى بين أهله وأصدقائه، الاسم الذي يحيل إلى دفء العائلة، وإلى بُعد الإنسان وراء القلم. من يعرفه شخصياً، يعرفُ أن نقاء قلمه ليس مصادفة، بل امتدادٌ لنقاء شخصه. رجلٌ تتجسّد فيه المعاني التي يكتبها: التواضع، الوفاء، الصدق، والكرامة.  

إقرأ أيضاً: حين تحدثت مع العملاق النقاش

واليوم، في هذا الزمن الذي تآكلت فيه القيم وتسطّحت فيه التجارب، نشعر أن وجود شخصية مثل عبد الله العجمي ليس ترفاً، بل ضرورة. هو من تلك القِلّة التي تجعلنا نصدّق أن الحرف يمكنه أن يداوي، وأن الكتابة لا تزال قادرة على أن تكون فعلاً أخلاقياً. هو من القلائل الذين، إن مرّوا بالكلمة، أحيَوها.  

ولعل أبلغ ما يمكن أن يُقال عنه، هو أنه لم ينطفئ. لم تُطفئه السنين، ولا التحولات، ولا الوجع الذي يعتصر القلب حين يرى ما آل إليه الحال. بقي، رغم كل شيء، كما هو: نبراساً. نقطة ضوء في آخر الممر، تقول لنا: "لا تستسلموا، لا تخونوا الحرف، لا تخذلوا أنفسكم".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.