لم تكن القاعدة مجرد تنظيم، بل كانت رمزاً دموياً لمرحلة كاملة من التمرد "الجهادي" العابر للحدود، تجسّد في صورة أسامة بن لادن وهو يعلن الحرب على "الطاغوت الأميركي" من جبال تورا بورا، وتحوّل مع الزمن إلى شبكة غير مركزية من الفروع والعقائد المتفاوتة.
لكن بعد أكثر من عقدين على أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، يترنح هذا التنظيم الذي هزّ أرجاء واسعة من العالم، ليس بسبب الضربات الأمنية فقط، بل بفعل التشظي الداخلي، وصعود جيل جديد لا يؤمن بمرجعية الجيل الأول، وينظر إلى القيادة كأمر واقع أكثر منه عقيدة.
منذ مقتل أيمن الظواهري في غارة أميركية دقيقة بكابول عام 2022، التزمت القاعدة صمتاً مطبقاً، لم تُعلن فيه عن زعيم رسمي يخلف الرجل الذي ورث عباءة بن لادن دون أن يرث كاريزماه أو مشروعه العالمي، لكن داخل الظلال ثمّة اسم يتردد همساً، إنه سيف العدل، الضابط المصري السابق وعضو الحرس القديم في القاعدة، والذي لعب أدواراً مهمة في التدريب والتخطيط والربط بين الفروع. بات يُنظر إليه من قبل الاستخبارات الغربية باعتباره الزعيم الفعلي للتنظيم، حتى وإن لم يُعلَن اسمه على الملأ.
إقرأ أيضاً: خمس بوابات لتحرير صنعاء وكسر يد الانقلاب الحوثي
سيف العدل، المعروف أيضاً باسم محمد صلاح الدين زيدان، يقيم – بحسب معظم التقارير – في إيران، تحت "إقامة مراقبة" تفرضها عليه طهران منذ لجوئه إليها عقب الغزو الأميركي لأفغانستان. وهذا الموقع الجغرافي بحد ذاته يُشكّل مأزقاً لشرعيته في نظر فروع القاعدة الأكثر تشدداً، خصوصاً في اليمن والصومال والمغرب الإسلامي، إذ لا يمكن لجهادي تربى على معاداة "الشيعة" أن يتقبّل زعيماً يعيش تحت حماية نظام شيعي. بل إن أذرع تنظيم القاعدة، التي تُعد من أشد فروع القاعدة تمسكاً بالفكر الجهادي، لم تُصدر حتى اليوم مبايعة علنية له، رغم مرور أكثر من عامين على مقتل الظواهري.
المعضلة هنا تتجاوز مسألة الاسم. سيف العدل، رغم كفاءته الأمنية والتنظيمية، ينتمي إلى جيل بات يُنظر إليه على أنه متحف من الماضي، عاجز عن تقديم مشروع جديد يُقنع الجيل الجديد من الجهاديين الذين تشكّل وعيهم في زمن داعش، لا في زمن قندهار. هذا الجيل يرى في القيادات التاريخية رجالاً طاعنين في السن، بعيدين عن ساحة القتال، يعيشون في الكهوف أو تحت الحماية الإيرانية، ويصدرون بيانات متأخرة لا تلامس الواقع. ولهذا السبب، فإن قيادات ميدانية جديدة باتت تطرح نفسها بوقائع الميدان لا بخطابات الشرعية.
في اليمن، كان هناك شخصية بارزة تُطرح أحياناً كخليفة محتمل للقيادة العامة، وهو خالد باطرفي، الذي كان يُعرف بخبرته الطويلة في العمل الإعلامي والتعبوي، وقدرته على الحفاظ على وحدة صف التنظيم رغم الضربات المتتالية التي تلقاها منذ اغتيال قاسم الريمي. التنظيم الذي كان يقوده بات مثقلاً بالصراعات الداخلية والخلافات مع بعض القبائل اليمنية، إضافة إلى الملاحقة المكثفة. وهذه أعباء ورثها القائد الجديد سعد بن عاطف العولقي، الذي لا تزال المعلومات عنه متضاربة وشحيحة، ربما لأنه من الصف الثاني غير النشط. العولقي يمني الجنسية وعضو في مجلس شورى التنظيم. عرضت الولايات المتحدة مكافأة تصل إلى 6 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه، حيث دعا علناً إلى شن هجمات على الولايات المتحدة وحلفائها.
إقرأ أيضاً: السومريون… أول من حبس الحرية
وفي الساحل الإفريقي، يبرز اسم يحيى أبو الهمام، القائد السابق لجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة للقاعدة في المغرب الإسلامي، والذي قُتل عام 2019. بعد مقتله، تسلّم القيادة إياد أغ غالي، الطوارقي القادم من شمال مالي، والذي استطاع تحويل التنظيم إلى فاعل إقليمي يحارب في أكثر من خمس دول. غالي، رغم محدودية خطابه العقائدي مقارنة بالرموز الجهادية التقليدية، يتمتع بقدرة عالية على المناورة السياسية، وبشبكة تحالفات قبلية ومسلحة تجعله الرقم الأصعب في غرب إفريقيا. لكن يُنظر إليه في قيادة القاعدة المركزية كزعيم محلي، لا يحمل مؤهلات القيادة العالمية.
على الجبهة الشامية، حيث كانت "جبهة النصرة" تُعد أقرب الفروع للقيادة الأم، تغيّر كل شيء بعد انشقاقها وتحولها إلى "هيئة تحرير الشام"، وإعلانها فك ارتباطها بالقاعدة، وانتهاجها مساراً براغماتياً يهدف إلى البقاء في الشمال السوري ضمن صفقة ضمنية مع القوى الدولية والإقليمية. ورغم أن بعض القيادات السابقة في النصرة ما تزال على ولائها للتنظيم الأم، إلا أن المشروع الشامي خرج فعلياً من العباءة القاعدية بعد انهيار نظام الأسد وهروبه وولادة حالة جديدة لديها تحديات مختلفة.
إقرأ أيضاً: الحوثيون ينهارون بهدوء والنهاية صيف 2027
ومع اختفاء القيادة المركزية، وتراخي التواصل بين الفروع، أصبحت القاعدة أكثر من أي وقت مضى مجرد شعار يُرفع هنا وهناك. في إفريقيا، التنظيم يتحول إلى أداة للتمرد المحلي، وفي اليمن إلى ورقة ضغط جيوسياسية، وفي أفغانستان يعيش على الهامش في ظل سيطرة طالبان، التي لا ترغب في استفزاز المجتمع الدولي من خلال إيواء تنظيم عابر للقارات.
اللافت أن بعض التقارير تتحدث عن صعود أسماء جديدة لم تُعرف بعد في الإعلام، لكنها تنشط في شمال غرب باكستان، ومنطقة وزيرستان، وبعض أجزاء خراسان. هذه الأسماء تنتمي إلى الجيل الثالث من القاعدة، الذي نشأ بعد مقتل بن لادن، وتربى على صراع القاعدة مع داعش أكثر من صراعها مع "العدو البعيد". وهذا الجيل يملك مهارات قتالية عالية، ومعرفة بالتكنولوجيا، ويتقن استخدام الإعلام الرقمي، لكنه لا يؤمن كثيراً بمركزية القيادة. بالنسبة له، التنظيم فكرة أكثر من كونه بنية هرمية. وهذه الرؤية قد تُنتج في المستقبل نموذجاً غير مألوف لقيادة القاعدة، ليس فيه زعيم واحد، بل مجلس ظل، أو شبكة تنسيقية تتقاسم النفوذ بحسب الجغرافيا.
المؤسسة الأمنية الأميركية، في تقاريرها الأخيرة، اعتبرت أن القاعدة لم تعد تشكل تهديداً استراتيجياً للولايات المتحدة، بل باتت تهديداً إقليمياً محدوداً. وهذا التقييم قد لا يكون دقيقاً تماماً، لكنه يعكس مدى تراجع المشروع العالمي للتنظيم. ومع ذلك، فإن غياب القيادة لا يعني غياب القدرة على الضرب، فالتنظيمات الجهادية تاريخياً قادرة على إعادة التشكيل بمجرد توفر ظرف سياسي أو فراغ أمني في منطقة ما.
إقرأ أيضاً: أوجلان... ميلاد جديد من القيود إلى الأسطورة
في المستقبل القريب، من غير المرجح أن يُعلن عن خليفة رسمي لأيمن الظواهري. سيبقى سيف العدل يدير ما تبقى من الهيكل التنظيمي بصمت، مستنداً إلى خبرته، وعلاقاته، ومكانته التاريخية. لكنه لن يكون زعيماً مُجمعاً عليه. في المقابل، ستواصل الفروع تصعيد قادتها المحليين، الذين يتمتعون بشرعية ميدانية، وسيتحول التنظيم تدريجياً من هرم مركزي إلى شبكة مرنة. ومع تصاعد الفوضى الأمنية في مناطق الساحل والصومال واليمن، قد يجد التنظيم بيئات جديدة للنمو، لكن ليس بالمشروع القديم الذي بدأ في كهوف أفغانستان.
البقاء يعتمد على إعادة تعريف التنظيم، مع الأخذ في الاعتبار أن الجيل الجديد لم يعد يكتفي بخطابات طويلة من رجال طاعنين في السن. يريد قيادة تُقاتل، لا تُقيم في الظل. مشروع جديد يدمج بين العقيدة والتكتيك والتكنولوجيا. وحتى يحدث ذلك، ستظل القيادة عباءة ممزقة، لا أحد قادر على ارتدائها كاملة، ولا أحد يجرؤ على تركها تسقط.