تعيش فرنسا هذه الأيام نقاشاً سياسياً حاداً إثر صدور حكم من قبل محكمة باريس على زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان بالسجن لمدة أربع سنوات، اثنتان منها مع سوار إلكتروني، بالإضافة إلى منعها من الترشح للانتخابات لخمس سنوات مقبلة.
وقد رفضت لوبان الإدانة وادعت، كطبيعة المجرمين المدانين من اليمين في قضاء الدول الديمقراطية، بأنها بريئة، قائلة: "هذه القضية التي رفعها ضدي خصومي السياسيون تستند إلى حجج غير صلبة. ما حصل هو خلاف إداري (كذا حرفياً!) مع البرلمان الأوروبي. لا يوجد إثراء شخصي، لا يوجد فساد، لا يوجد أي شيء من هذا القبيل".
وفي اليوم التالي للنطق بالحكم، شنت لوبان هجوماً شرساً على المحكمة، واصفةً قرارها بأن النظام قد أخرج "القنبلة الذرية"، مضيفةً: "إذا استخدموا مثل هذا السلاح ضدنا، فذلك لأننا على وشك الفوز في الانتخابات".
قد يتفهم المرء انزعاج لوبان من قرار المحكمة، فهي تحاول بكل الوسائل كسب الوسط الفرنسي بغية الوصول إلى الرئاسة واتخاذ قرارات أحادية في الاتحاد الأوروبي، وأول خطواتها ربما تكون الخروج من الاتحاد الأوروبي.
إقرأ أيضاً: قبل أن يتولى ترامب ولايته الثانية
الغريب والعجيب في الأمر أن لوبان تستخدم مصطلح "القنبلة الذرية" لوصف حكم في قضية جزائية. لماذا؟ فتلك "القنبلة" تحدثت عنها بشكل غير مباشر بتاريخ 5 نيسان (أبريل) 2013، عندما طالبت هي نفسها بحرمان السياسيين الذين يرتكبون جرائم من حق الترشح للانتخابات. لقد كان ذلك المطلب بلسانها وبشدة لا يقبل أي شك في مقابلة تلفزيونية في برنامج إذاعة كلاسيك وعلى الهواء مباشرة، ثم تساءلت: "متى سنتخذ أخيراً إجراءً ونقيم حظراً ونقر عدم أهلية مدى الحياة لجميع المدانين بجرائم تتعلق بمواقعهم الرسمية؟". وهذا هو بالضبط ما طُبق في المحكمة الباريسية. أي أن قرار المحكمة أتى تطبيقاً لفقرة قانونية اقترحتها هي بنفسها، وليس من المستبعد أن تكون تلك الفقرة القانونية قد شرعت بعد عام 2013.
ومعروف أيضاً أن السيدة الشقراء ورثت نظام اختلاس أموال الاتحاد الأوروبي من والدها، جان ماري لوبان، وبوعي مطلق استمرت فيه، مما سمح لحزبها الذي كان مثقلاً بديون كبيرة بالاستفادة من ذلك. وهذا بالإضافة إلى أن ثمة إشارات تفيد بأن بعضاً من أفراد عائلتها وحاشيتها أيضاً كانوا من المستفيدين. بل والأدهى من ذلك أنها لم تُظهر في أي وقت من الأوقات أي ندم على فعلتها المخالفة للقانون بكل معنى الكلمة. "العار والندم"؛ وصفت واشنطن بوست في تعليق لها عن الموضوع "صفتان عتيقتان من عصور غابرة".
لقد كانت الأدلة ضدها دامغة بنحو صارخ في المحكمة الباريسية. فقد استثمرت طاقتها الإجرامية الكبيرة وتمكنت على مدى أكثر من اثني عشر عاماً (ابتداءً من عام 2004 ولغاية 2016) من بناء نظام احتيال من أجل اختلاس أموال الاتحاد الأوروبي. ولم تنتهِ أفعالها إلا عندما بدأ المسؤولون في بروكسل بإطلاق تحقيق شامل عن الموضوع.
إقرأ أيضاً: حظوظ وعواقب فوز ترامب في الانتخابات القادمة
إنَّ التصاعد في حدة الانقسام في المجتمع الفرنسي أدى إلى أن تلعب هذه السيدة بالفعل دوراً في البرلمان لتحديد المدة التي سيُسمح فيها لرئيس الوزراء وحكومته الأقلية بالبقاء على قيد الحياة. لذا هنا يُطرح السؤال: هل يمكن لمحكمة ما أن تذهب إلى حد منع سياسية من هذا النمط من ممارسة مهنتها ونشاطها السياسي؟ وفرنسا ليست وحدها التي تعاني من مشكلة اليمين المتطرف، على غرار الأكثرية الساحقة من الدول الغربية. فألمانيا تعاني أزمة الصعود الخطير لحزب البديل الألماني المتطرف.
وكما حدث في محاكمات الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، فقد أكد القضاء الفرنسي لحسن الحظ أن السياسيين ليسوا فوق القانون. بل على العكس من ذلك، فإنهم يتعرضون لعقوبات شديدة بشكل خاص إذا لم يكونوا هم أنفسهم قدوة حسنة للآخرين.
وليس من قبيل الصدفة أو الغرابة أن يعرب شخصان على الأقل في عالم السياسة العالمية عن تعاطفهما الكبير مع لوبان وأن ينتقدا بشدة إدانة القضاء الفرنسي لرفيقة دربهم في محاربة الديمقراطيات الليبرالية الغربية والقضاء عليها. أحدهما هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو لم يهجم فقط على أوكرانيا في حرب عدوانية شرسة، بل صدرت بحقه قبل عامين مذكرة توقيف من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة جرائم حرب تتعلق بترحيل أطفال ونقلهم "بصورة غير قانونية"، والآخر هو مجرم مدان قانونياً في بلاده، معروف للجميع، الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
إنَّ صعود اليمين المتطرف من جهة والأخبار الكاذبة المنتشرة في كل مكان وخاصة في شبكات التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، يعملان على استقطاب المجتمع بشكل متزايد وخطير جداً لغرض تقويض سيادة القانون. فمن بين الأسباب لذلك هو قيام ممثلي تيارات الشعبويين بالتشكيك بشكل مستمر في القضاء، وهذا بمجرد، كما نرى ذلك في أكثر من مناسبة، عدم استفادتهم منه. فهؤلاء لا يطيقون فصل السلطات، وهو الركن الأساسي للديمقراطية. وليس من العجب أن يجد الرئيس الأميركي ترامب بشكل متواصل المزيد من المقلدين.