في خضم التحولات الجيوسياسية المُعقدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تبرز العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران كواحدة من أخطر الملفات التي تُعيد تشكيل النظام الإقليمي. ففي ظل تصاعد التوترات بين إدارة دونالد ترامب ونظام المرشد الإيراني علي خامنئي، يبدو السؤال المركزي: هل سيتجه الطرفان إلى مواجهة عسكرية شاملة، أم أن الدبلوماسية ستظل الخيار الأرجح؟ الإجابة تكمن في فهم دقيق للاستراتيجيات المُتبادلة، ودور التحالفات الإقليمية، وحسابات الربح والخسارة التي تُحرك صانع القرار في كل من واشنطن وطهران.
شكّل التقارب الروسي-الإيراني خلال حرب أوكرانيا عاملاً حاسماً في تغيير قواعد اللعبة. فدعم إيران لروسيا عبر تزويدها بأسلحة متطورة، مثل الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، بالإضافة إلى مساعدتها في تجاوز العقوبات الدولية، دفع موسكو إلى توقيع اتفاقية تحالف استراتيجي مع طهران. هذا التحالف لم يُقلق الولايات المتحدة فحسب، بل وضع إيران في قلب الصراع الدولي، مما دفع ترامب إلى محاولة تفكيكه عبر ورقة إنهاء الحرب الأوكرانية. ففي مارس 2025، عرض ترامب على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفع العقوبات وضمانات أمنية مقابل تخلي روسيا عن شراكتها مع إيران. هذه الاستراتيجية تعكس نهج ترامب في "التجارة السياسية"، حيث يُراهن على أن روسيا قد تُفضّل مصالحها الاقتصادية مع الغرب على تحالف مُكلِف مع إيران.
لكن التاريخ يعلمنا أن بوتين نادراً ما يُضحي بحلفائه دون مقابل. ففي سوريا، تخلى عن نظام بشار الأسد تدريجياً حين تعارضت مصالحه مع المكاسب العسكرية التركية. ومع ذلك، فإن إيران ليست سوريا، فهي تمتلك أوراق ضغط أكبر، مثل برنامجها النووي وشبكة وكلائها (proxies) الإقليمية. هنا، يبرز احتمال أن يلعب بوتين دور الوسيط بين واشنطن وطهران، كما فعل في محادثات السلام السعودية-الروسية حول أوكرانيا، مما قد يُمهّد لتسوية تُنهي عزلة إيران مقابل تخفيف العقوبات.
منذ عودته إلى البيت الأبيض، اعتمد ترامب سياسة "الضغط الأقصى" على إيران، عبر تشديد العقوبات وتهديدات عسكرية مُبطنة. ففي 6 مارس 2025، أرسل ترامب رسالة إلى خامنئي حذّر فيها من "عواقب فظيعة" إذا لم تُوافق إيران على التفاوض حول برنامجها النووي. لكن هذه التهديدات لم تُترجم إلى أفعال، مما يُشير إلى أن ترامب يُستخدم "لغة الحرب" كأداة ضغط، لا كخطة عمل.
هذا النهج يتوافق مع تاريخ ترامب في إدارة الأزمات الدولية، حيث يعتمد على "الترويج للخوف" لدفع الخصوم إلى التنازل. ففي ولايته الأولى، نجح في إجبار كوريا الشمالية على الحوار عبر التهديد بـ"النار والغضب"، دون اللجوء إلى الخيار العسكري. مع إيران، يكرر السيناريو ذاته: تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المحيط الهندي (كإرسال قاذفات "بي-2" الاستراتيجية وحاملة الطائرات "هاري ترومان")، بينما يُبقي الباب مفتوحاً للمفاوضات عبر وسطاء مثل سلطنة عمان.
من جهتها، تتعامل إيران مع التهديدات الأمريكية ببراغماتية تُخفي وراءها أزمة داخلية عميقة. ففي فبراير 2025، بلغ التضخم الإيراني 35%، مع انهيار الريال إلى مستويات قياسية، بينما تشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى اقتراب طهران من عتبة تصنيع سلاح نووي. هذه الضغوط دفعت إيران إلى قبول مبدأ التفاوض غير المباشر، كما أعلن وزير خارجيتها عباس عراقجي، لكن بشروط: رفع العقوبات أولاً، وضمانات بعدم تكرار انسحاب أمريكي من الاتفاق النووي.
لكن ترامب يرفض "مفاوضات مسبقة الشروط"، مما يُعقّد الوصول إلى حل. هنا، تبرز إستراتيجية إيران في "الصبر الاستراتيجي"، أي تأخير المفاوضات لاستنزاف الوقت وانتظار تغييرات في الموقف الأمريكي. ففي أكتوبر 2024، نجحت في إفشال ضربة إسرائيلية على منشآتها النووية عبر إسقاط طائرة مسيرة مُهاجمة، مما أظهر قدرتها على الردع. ومع ذلك، فإن استمرار الدعم الروسي لإيران يُضعف فعالية العقوبات الأمريكية، خاصة مع تزايد التعاون بين البلدين في مجال الطاقة النووية.
في خضم هذا الصراع، تبرز السعودية والإمارات كلاعبين إقليميين يسعيان إلى احتواء هذه الأزمة لصالحهما. ففي مارس 2025، استضافت الرياض محادثات سلام بين روسيا وأوكرانيا، بهدف تعزيز دورها كوسيط دولي. هذه الخطوة تُذكرنا بدور الصين في الوساطة بين إيران والسعودية 2023، حيث تُستخدم الدبلوماسية كأداة لتوسعة وزيادة النفوذ.
لكن السعودية والإمارات لا تُخفيان قلقهما من البرنامج النووي الإيراني، خاصة مع تطوير الحوثيين صواريخ "فلسطين-2" فرط صوتية، التي باتت تُهدد أمن إسرائيل والممرات البحرية. هنا، تدعم الرياض وأبوظبي الضغط الأمريكي على إيران، لكن دون تأييد ضربات عسكرية قد تُشعل المنطقة. ومما لا شك فيه، فإن السعودية والإمارات يفضلان في النهاية الحلول السياسية على المغامرات العسكرية.
ورغم التصعيد الكلامي، تُشير كل المؤشرات إلى أن ترامب لن يُقدم على ضرب إيران طالما استمرت الحرب الأوكرانية. فإدارة صراعين كبيرين في وقت واحد (أوروبا والشرق الأوسط) ستستنزف الموارد الأمريكية، وهو ما تعهد ترامب بتجنبه خلال حملته الانتخابية. كما أن تدمير المنشآت النووية الإيرانية قد يُسبب كارثة بيئية، ويُطلق سباق تسلح إقليمي تُشارك فيه تركيا والمملكة العربية السعودية.
الأرجح هو عودة المفاوضات النووية، لكن بضمانات جديدة. فروسيا قد تلعب دور الراعي، بينما تضغط أوروبا لإنقاذ الاتفاق النووي 2015. لكن نتنياهو يُعارض أي تسوية لا تُنهي البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، مما يُعقد جهود الوساطة.
في النهاية، تُظهر التحركات الأمريكية والإيرانية أن الحرب ليست خياراً واقعياً، بل ورقة مساومة لكسب تنازلات في المفاوضات. فترامب يعلم أن أي صراع مع إيران سيُعيد إحياء محور المقاومة (حزب الله-الحوثي-الجهاد الإسلامي)، بينما تدرك إيران أن تطوير سلاح نووي سيُعرض نظامها لأخطار عديدة منها خطر الاغتيالات الإسرائيلية. هنا، تعود المنطقة إلى مربع "اللاسلم واللاحرب"، حيث تُستخدم العقوبات والتهديدات العسكرية كأداة لترتيب أولويات اللاعبين، دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
هذا السيناريو يُذكرنا بحقبة الحرب الباردة، حيث كانت الأزمات الدولية تُدار عبر "إدارة الأزمات"، لا عبر الحلول النهائية. وفي ظل تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود التعددية القطبية، يبدو أن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة جديدة من الصراعات بالوكالة، إلا في حال نجاح الدولتان القويتان، السعودية والإمارات، كشركاء استراتيجيين للغرب وروسيا والصين، بإعادة تعريف ووضع قواعد اللعبة بعيداً عن هيمنة الأطراف والخصوم العنيدين.