: آخر تحديث

إيران وأميركا... معادلة الإذعان أو الانهيار

2
2
2

هل تتجه الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب نحو توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية في ظل رفض طهران للتفاوض والتخلص من مشروعها النووي؟ وكيف ستتطور المواجهة في حال حدوث رد إيراني متهور؟

تشير القراءة المتأنية للمشهد السياسي والعسكري الراهن إلى أن إدارة ترامب قد وضعت خطوطاً واضحة في تعاملها مع الملف النووي الإيراني، وأن الخيار العسكري بات أقرب من أي وقت مضى في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران. فالتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي والمتحدثة باسم الخارجية الأمريكية تامي بروس تعكس نهجاً حازماً يقوم على مبدأ "إما التفاوض وإما القصف"، وهو ما يضع النظام الإيراني أمام خيارات صعبة ومحدودة.

يكشف التحليل الموضوعي للموقف الإيراني أن نظام الملالي في طهران يراهن على صمود استراتيجية المماطلة التي اتبعها لعقود، معتقداً أن بإمكانه الاستمرار في تطوير برنامجه النووي تحت غطاء المفاوضات غير المباشرة والوعود الفارغة. لكن هذه المرة، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد فقد صبره تجاه هذه المناورات الإيرانية.

وتؤكد المعطيات الميدانية أن رفض إيران للتفاوض الجاد حول برنامجها النووي سيدفع الإدارة الأمريكية إلى تنفيذ تهديداتها بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية. وقد أشارت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية تامي بروس بوضوح إلى أنه "إن لم يرغب النظام الإيراني في التوصل إلى اتفاق، فلدى الرئيس خيارات أخرى ولا شك أن البدائل ستكون سيئة للغاية بالنسبة لإيران".

تبرز الدلائل المتراكمة على أن الضربة الأمريكية ستستهدف في المرحلة الأولى المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة. وسوف يكون زخم الضربات على منشأة نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم، والذي يضم آلاف أجهزة الطرد المركزي، ومفاعل فوردو المحصن داخل جبل قرب مدينة قم، والذي يستخدم لتخصيب اليورانيوم بنسب عالية. كما ستشمل الأهداف محطة بوشهر للطاقة النووية الواقعة على ساحل الخليج العربي، ومفاعل خونداب (آراك سابقاً) الذي يمكن استخدامه لإنتاج البلوتونيوم اللازم لصنع قنبلة نووية، بالإضافة إلى منظومات الدفاع الجوي وخاصة صواريخ S-300 الروسية ومنظومة باور-373 المحلية.

تقودنا الملاحظة الدقيقة للأحداث إلى استنتاج أن النظام الإيراني، وتحت ضغط الحرس الثوري والتيار المتشدد، سيلجأ إلى رد انتقامي متهور على الضربة الأمريكية. وفيما يظن ويعتقد فإن هذا الرد سيبدأ بإطلاق صواريخ باليستية تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، مترافقاً مع شن هجمات بأسراب من الطائرات المسيرة الانتحارية على منشآت حيوية في دول الخليج وإسرائيل. ويرى المختصون انه ستكون هناك خطوة تصعيدية خطيرة، حيث ستقوم إيران وكعادتها بنشر الألغام البحرية في مضيق هرمز والخليج العربي لتهديد الملاحة الدولية وناقلات النفط. كما ستعمد طهران بلاشك إلى تحريك بقية وكلائها في المنطقة، وخاصة حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والميليشيات الشيعية في العراق، لاستهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في محاولة لتوسيع نطاق المواجهة وتشتيت الجهد العسكري الأمريكي.

بلا شك أن هذا الرد الإيراني المتهور سيؤدي إلى تصعيد خطير في المنطقة، وسيدفع الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق أهدافها العسكرية في إيران.

ويعتقد الخبراء ومن خلال استقراء الواقع السياسي إلى أن الولايات المتحدة ستنتقل إلى المرحلة الثانية من خطتها العسكرية في حال استمرار إيران في ردها المتهور. وسوف تتوسع الضربات الأمريكية لتشمل المقرات والمعسكرات الرئيسية للحرس الثوري الإيراني في مختلف أنحاء البلاد، مع التركيز على منشآت تصنيع وتطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تشكل تهديداً مباشراً لدول المنطقة. كما ستستهدف الضربات مستودعات الأسلحة والذخائر التابعة للحرس الثوري، بالإضافة إلى مراكز القيادة والسيطرة وأنظمة الاتصالات العسكرية، في محاولة لشل قدرة إيران على مواصلة عملياتها العسكرية.

بلا شك ايضا أن هذا التصعيد سيهدف إلى شل القدرات العسكرية للحرس الثوري وتقويض قدرته على مواصلة الرد على الضربات الأمريكية. 

فيما تفيد التجارب التاريخية بأن النظام الإيراني قد يستمر في تعنته رغم الخسائر الفادحة التي سيتكبدها في المرحلتين الأولى والثانية. وفي هذه الحالة، ستنتقل الولايات المتحدة إلى المرحلة الثالثة من خطتها العسكرية، والتي ستتضمن استهداف كبار قادة الحرس الثوري، على غرار عملية اغتيال قاسم سليماني في 2020. وستترافق هذه العمليات النوعية مع ضربات موجهة ضد المقرات السرية للقيادة العسكرية العليا، وتدمير البنية التحتية الاستراتيجية مثل محطات الكهرباء ومصافي النفط والجسور والطرق الرئيسية. كما ستعمل الولايات المتحدة على عزل طهران من خلال قطع خطوط الاتصال والمواصلات بين العاصمة وباقي المحافظات، مما سيؤدي إلى إضعاف سيطرة النظام المركزي على البلاد، على أن هذه المرحلة ستهدف إلى إحداث شلل في قدرة النظام على إدارة البلاد والاستمرار في المواجهة العسكرية. وستكون الرسالة الأمريكية واضحة: إما الإذعان والتفاوض، وإما المزيد من التصعيد الذي قد يؤدي إلى انهيار النظام.

بلاشك أنه في حال استمرار النظام الإيراني في تعنته ورفضه للتفاوض رغم كل الضربات السابقة، فإن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى الخيار الأخير والأكثر خطورة: استهداف النظام السياسي الإيراني بشكل مباشر. سيشمل ذلك توجيه ضربات دقيقة لمواقع تواجد علي خامنئي وكبار المسؤولين في النظام، مع استهداف مبنى البرلمان والقصر الرئاسي ومقرات الوزارات. كما ستعمل واشنطن على شل قدرة النظام على التواصل مع الشعب من خلال تدمير وسائل الإعلام الرسمية، بالتزامن مع تقديم الدعم اللوجستي والمعلوماتي للمعارضة الإيرانية لتعزيز قدرتها على تحدي سلطة النظام.

كما يمكن للمراقب الموضوعي أن يستنتج أن هذا الخيار سيكون الأخير في سلسلة التصعيد، نظراً للمخاطر الكبيرة المرتبطة به. فالولايات المتحدة تدرك تماماً أن إسقاط النظام الإيراني قد يؤدي إلى فراغ سياسي وأمني خطير في منطقة حساسة من العالم، لكنها قد تضطر إلى اللجوء إليه إذا استمر النظام في تحدي الإرادة الأمريكية وتهديد المصالح الأمريكية والإقليمية.

ومن خلال ما تقدم فإن النظام الإيراني يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإذعان للمطالب الأمريكية والتخلي عن برنامجه النووي، وإما مواجهة سلسلة من الضربات العسكرية المتصاعدة التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى انهياره.

بلاشك فإن الخيار الأول، رغم صعوبته على النظام الإيراني، يبقى أقل كلفة من مواجهة عسكرية شاملة مع القوة العظمى الوحيدة في العالم. فالتاريخ يعلمنا أن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة لم تنته لصالح أي نظام، مهما كانت قوته أو صلابته.

يعتقد الخبراء أن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار المواجهة بين واشنطن وطهران. فإما أن يدرك النظام الإيراني حجم التهديد ويقبل بالتفاوض، وإما أن يستمر في تعنته ويواجه سيناريو التصعيد المتدرج الذي قد ينتهي بانهياره.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.