"أنا وخلّي تسامرنا وحجّينا... نُزْهة والبدر شاهد علينا..."
كانت تغنيها وحيدة خليل بصوتها الذي يفيض حنيناً، صوتٌ يشبه أنفاس الأرض حين تتفتّح في الربيع، وتبعث فينا رعشة الاشتياق، لا إلى الحب فحسب، بل إلى البساطة، إلى الزمن الذي كانت فيه الحياة تنضج مثل سنبلة، بهدوء... وبلا خوف.
ثمة شيءٌ غامض، دافئ، ونقيّ في صوتٍ كهذا، كأنه ينهض من ذاكرة فلاحٍ قديم، من حقولٍ لم تخن تربتها عهود المطر، ولا استباحتها الحرب. وحيدة خليل لا تغني وحسب، بل تُخرج من جوف الروح أغانيها، كأنها تقصّ علينا حكاية الأرض – نحن، أبناء تلك الحقول، أبناء القمح، أبناء الغبار المعجون بعرق الفلاح وأحلامه.
ومع أول نسمة ربيع، حين يعلو وجه الأرض دفءٌ خفيف، يبدأ موسم الوعد. سنابل القمح – هذا "الذهب البشري" كما يسميه الفقراء – تبدأ بالانحناء شيئاً فشيئاً، لا من الذلّ، بل من النضج. كأنها تقول: "لقد شبعت من الانتظار... خذوني إليكم خبزاً، وطمأنينة".
لكن، أي خبز؟ وأي طمأنينة؟.
في زمنٍ تبدّلت فيه المواسم، واختلطت فيه الحقول بخرائط الحرب، لم يعد الفلاح ذاك الذي يلبس كوفيته في الصباح، ويضحك لولده في البيادر. صار رجلاً يشبه بقايا الحصاد: متعباً، مكسوراً، تتنازعه أدواته البسيطة وعيون الطيور التي تستبق منجله إلى رزقه.
في زمن الحرب، لا تنضج السنابل كما ينبغي. لا لأنها ترفض الحياة، بل لأن الحياة نفسها لم تعد قادرة على حمايتها. حقلٌ هنا صار مسرحًا لقذيفة. وآخر هناك بات مرعىً لمن نجا من الجوع، لا ليأكل من خيره، بل ليقتات على ما تبقّى من عطائه.
والفلاح... ذاك الذي نذر عمره للحبة والظلّ والمطر، بات يقف على طرف الحقل كالغريب، لا يملك من أمره إلا نظرةً حزينة، ومنجلاً صدئاً، وأملاً يترنّح بين ضلوعه.
إنه المشهد السوري المصغّر: سنابل كانت تبشّر بالحياة، فغدت شاهدة على خرابٍ لا ينتهي. الفلاح هنا لم يعُد حارساً للمواسم، بل رهينة لها.
بين قلة الآلات، وغلاء الوقود، وانقطاع السبل، وانهيار الأسواق، وغياب الأمن... يُترك وحده، في وجه الشمس، والريح، والعوز، والقلق، والحرب.
كأننا نطالبه أن يزرع بيد، ويدافع عن حقله باليد الأخرى. أن يكون فلاحاً ومقاتلاً ومصلحاً ومُداوياً في آنٍ معاً. ورغم كل هذا، لا تزال السنابل تصرّ أن تنبت. أن تتمايل في الحقول كنساءٍ في حفلة عرسٍ بدوية. أن تصبغ الأرض بلون الحياة، ولو للحظات.
هل تذكرون البيادر؟ تلك البقع الطاهرة التي كانت تجمع شتات القرية؟ حيث الرجال يضحكون، والنساء يصنعن خبز التنّور، والأطفال يلاحقون الكلاب في دوائر الغبار؟
البيادر اليوم باتت ذاكرة. مجرد فكرة بعيدة، نحاول استحضارها كلما تذكّرنا أن هذه الأرض كانت تعرف الفرح. لكن، ورغم كل شيء، لا تزال السنابل تنحني. لا تزال تبشّرنا أننا لم نفقد كل شيء.
في عمق هذه الصورة، في انحناءة السنبلة، في تكسّر الضوء على وجه الفلاح، في شقوق يده، تكمن مقاومة ناعمة... صامتة. مقاومة لا تشبه صراخ السياسة، ولا هدير الدبابات. بل تشبه الإيمان. إيمان بأن القمح سيعود، وأن الأرض ستلد من جديد، وأن الإنسان، مهما بلغ به اليأس، سيظلّ يبحث عن رائحة الخبز.
في المقابل، فإن هذه الفوارق الفادحة بين فلاح الأمس واليوم، ليست فوارق زمنيّة فقط، بل فوارق نفسية ومجتمعية.
فلاح الأمس كان يزرع وهو يثق بالغد، يشعر بأن المحصول سيعود عليه، وأن جهد النهار سيُترجم خبزاً، دفئاً، احتراماً.
أما فلاح اليوم، فهو يزرع بشكّ. يُمضي النهار يراقب السّماء لا طلباً للمطر، بل خوفاً من قذيفة.
يتطلّع إلى سنابله كمن ينظر إلى طفلٍ مريض: يدعو الله أن لا تذبل قبل أوانها، أن لا تُسرق، أن لا تذروها ريح الحرب قبل أن تنضج.
ليس من الإنصاف أن يُترك الفلاح وحده في هذه المعركة. وليس من العدل أن نظلّ نغني للسنابل بينما الحقول تُنهب، والبيادر تُنسى، وأبناء الأرض يُهجَّرون. ومع ذلك، لا تزال الأغنية القديمة تعود، كلما أطلّ نيسان:
"أنا وخلّي تسامرنا وحجّينا..."
كأنّها تذكّرنا أن خلف هذا الدمار، هناك حبّ، هناك ضوء، هناك وطنٌ كان، وربما سيعود.
السنابل، رغم الحصار، لا تنسى كيف تنضج. والأرض، رغم الجراح، لا تتوقّف عن الولادة. والفلاح، وإن انكسر، لا ينكسر تماماً.
لعلَّ في ذلك ما يجعلنا نؤمن، أنَّ هذه البلاد التي تهب الحياة من ترابها، لن تموت.