: آخر تحديث

حوار الشيخ التقيِّ مع المهموم الشقيِّ

15
14
15
مواضيع ذات صلة

بدءاً أقول إنني لست من روّاد الجامع او الحسينية ولا ألهف لاستماع خطبة الجمعة في المساجد مثلما يفعل الآخرون ويستعدون لحضورها ولهم طقوسهم الخاصة للاستعداد لها حيث يغتسلون صباحا من اجلها ويرتدون ملابسهم المختارة بعناية ويسعون اليها مشيا على الأقدام لنيل الثواب المضاعف ويتزاحمون في الحصول على فسحة ارض يجلسون عليها في الصفّ الأمامي القريب جدا من الخطيب، مع يقيني ان حضورها سعيٌّ الى ذكر الله خاصة اذا كان الخطيب حكيما مؤمنا ورعا ذا سعة أفق في إقناع المتلقي على قبول نصائحه وإرشاداته ذات النفع العام للملأ المتعطش الى النصح والإرشاد السليم وتهذيب النفس والتقرّب الى الله جلّ جلاله.

غير أني كثيرا ما اعتذرت عن الحضور رغم إلحاح جاري المسكين الساذج الطيب القلب لاصطحابي لكني استمع اليه وأجامله حينما يعود ويخبرني عما دار من حديث وماذا قال الشيخ في خطبته على المنبر وماذا نوقش في حلقة الحوار بباحة الجامع بعد ان ينتهي من خطبتي الجمعة.

الجمعة الفائتة جاءني جاري هذا مسرعا ليخبرني ان احد المستمعين أمسك بيد الإمام الذي أنهى خطبته وهو يتحدث عن الصبر وضرورة ان يتحلى المؤمن بهذه الصفة المباركة باعتبارها علاجا ناجعا وبلسما شافيا لكل حالة غضب او تذمّر من شظف العيش او معاناة قد تصيب الانسان في مراحل حياته.

جاءه المستمع وهو غاضب قائلا له:

يا شيخنا ؛ هل تريد ان تعلمني ماهو الصبر فانا رجل يسمونني هنا كنّاس شوارع تحقيراً لي وإنْ تهذّبوا قليلاً ينعتونني عامل نظافة؛ أعمل في بلدية الحيّ الذي أسكن فيه، أصحو في الصباح الباكر وقبل شروق الشمس وامسك مكنستي لأقوم بتنظيف الشارع والأرصفة صابرا على تحمّل الغبار الذي يتطاير حولي متحمّلا الأجواء الباردة والحارة والأمطار والقيظ والصرّ والقرّ وهي تهلك بدني منتظرا نهاية الشهر كي اقبض مرتبي القليل، ليتك ترافقني يوما واحدا لترى ما انا فيه حتى أعلمك الصبر واقعا لا تنظيرا وجعجعة لسان.

عذرا ايها الشيخ الخطيب لا تعلّم الثكلى كيف يكون البكاء ولا تلقّن المعنّى معنى الصبر مادمت لم تذق مرارة الكدح الحقيقي فأنت تتربع في سيارة فارهة توصلك الى الجامع بمعيّة سائق خاص وتعيدك الى بيتك وتكتسي ملابس من حرير وترشّ على جبينك وهندامك عطرا ثمينا يفوق سعره كلّ راتبي الشهري.

ولو أردت ان تخاطبنا في الجمعة المقبلة ؛ فليكن كلامك عن الظلم الذي نعانيه من جرّاء نظرة المجتمع الينا وجرّاء سلاطيننا الظالمين حيث تقفون معهم ضدنا، تحدّثْ عن غياب التعاطف بين الميسور والمفقر واكشف عن سرقات مال المؤمنين لتوضع في جيوب وأرصدة السلاطين وسكوت العلماء عن سوء فعل الساسة السفهاء، كان عليك ان تحدثنا عن ظلم الراعي للرعية وعن النخب السياسية التي تمتطي العقائد والطوائف ركابا سهلا لتسحقنا نحن الصغار والمنهكين المكدودين وتدوسنا بأرجلها سحقا.

لو أردتنا ان نصغي اليك ونعمل بما تقول ايها الشيخ الوقور المعمم؛ فاخلع أولا ثيابك الحريرية واشعر بالجوع مثلما يجوع البائسون المقترون واستلقِ على أديم الأرض الباردة القذرة بلا مفارشك الوثيرة وبعدها حدّثنا عن احتمال الصبر والجزاء الذي سنلقيه في الدار الآخرة جنةً وارفة الظلال أو نارا سعيرة وجهنم حمراء وكن مثلنا وتعيش أحزاننا وتلقى ما لقينا من حيفٍ وظلمٍ وإجحاف وتهميش.

كفاكم ان تزرقونا بمصل الصبر والسكوت والرضا والقناعة والستر والموعظة غير الحسنة، أوقن انتم أكثرنا جزعا وهلعا لو ثلمت شأفة صغيرة من امتيازاتكم الهائلة فلا تحيلوا الصبر ايمانا ورسوخا عقائديا وتنسون غاية الرسالات في القسط والعدل في توزيع الثروات والإنصاف في الأحكام وتقويم الموازين المنكسرة.

انت يا شيخي الموقّر كمن ينصح الصبيان بان يبتعدوا عن المخدّرات وسط حياة ملؤها النكد والبؤس والحرمان والفاقة والحاضر المظلم والمستقبل الأكثر ظلمة فاسعَ أنت ونخبتك السياسية اولاً لتجعلوا الحياة شيّقة وزاهية بجمالها ثم بعد ذلك اخطب فيهم وقل لهم ابتعدوا عن المخدرات وها هو حاضركم ومستقبلكم قد بدا واضحا وأكثر إشراقا؛ اذ من المحال ان يخدّر الانسان إحساسه عندما تكون الحياة جميلة بشغفها وباعثة للمسرات، فالعيش الرغيد والحياة الراقية السعيدة هي من تجعل المرء يقظاً واعيا دون ان يحتاج الى الرحيل الى عالم متخيل طالما ان واقعه يتيح له سعادة وافرة.

بهذا الحال الرغيد والوطن السعيد – وما أبعده عن منالنا -- تنتفي الحاجة الى تغييب العقل والاستنجاد بالأخيلة وآمال الوهم والمنى الغارقة في التخييل مما تجلبه المخدرات في ذهن الانسان المنهك اليائس من الواقع المرير عسى ان يظفر بسعادة وقتية عندما يهرب مما هو فيه من واقع حال سيء للغاية الى حلم ممتع وقتيا وسهل المنال .

وهل اكثر بلادةً ان تُعلّم من ترعرعَ في مرابع الديمقراطية واخضرارها وتنشّقَ رحيق الحرية بكل أنفاسه واستأنس أجواءها واعتاد على نقاوة مناخها وبيئتها النظيفة ان تقول له معنى الحرية وجدوى الديمقراطية وتشرح له امتيازاتها وتُذيقه حلاوتها مادام هو يمرح في ملاعبها؟؟

وهنا لا يحتاج المرء ان تُذكّره وتُخبره انه حرّ ويعيش في بحبوحة الرقيّ ويسعد بالديمقراطية وأنه وحده من يختار مرشحه الأكثر نزاهة وعلما وخدمة وحراكا من اجل النماء والارتقاء.

تركني جاري مودّعا وأحسست انه قد اقتنع بما قاله عاملُ النظافة جليسُ خطبة الجمعة.

 

[email protected]


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي