: آخر تحديث

هل تعيد انتخابات 2026 رسم علاقة الشباب المغربي بالسياسة؟

2
2
2

لم تعد علاقة الشباب المغربي بالسياسة مجرد نقاش موسمي مرتبط بالمواعيد الانتخابية، بل أصبحت تعكس تحولات عميقة في أنماط الوعي والمشاركة والاحتجاج والتعبير داخل الفضاء العام. إن الاستعدادات الجارية لانتخابات 2026 تأتي في سياق مختلف تمامًا عن الانتخابات السابقة، تطبعه بروز جيل جديد من الفاعلين الشباب، وعلى رأسهم ما بات يُعرف بـ"جيل زد"، الذي يعيد صياغة مفهوم المشاركة السياسية خارج الأطر التقليدية.

تشير المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى أن نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة تمثل ما يقارب 31 بالمئة من مجموع ساكنة المغرب، وهي كتلة ديمغرافية وازنة تملك القدرة على التأثير في المسار الانتخابي والسياسي بشكل حاسم. غير أن المعطيات نفسها تكشف استمرار ضعف الانخراط السياسي المؤسساتي، حيث لا تتجاوز نسبة الشباب المنخرطين في الأحزاب أو النقابات 2 بالمئة، وهو رقم يعكس استمرار أزمة الوساطة السياسية الكلاسيكية، بالرغم من تعدد البرامج الرامية إلى إدماج الشباب في الحياة العامة.

وقد أكدت نتائج استطلاعات "الباروميتر العربي" في نسخته الأخيرة أن حوالى 70 بالمئة من الشباب المغربي يعبرون عن ضعف ثقتهم في الأحزاب السياسية، مقابل ارتفاع نسبي في الثقة في المبادرات المدنية والرقمية كوسائل بديلة للتعبير السياسي. كما أبرز تقرير "أفروباروميتر" لسنة 2024 أن نسبة المشاركة الانتخابية لدى الشباب تقل بحوالي 20 نقطة مئوية مقارنة بالفئات العمرية الأكبر، وهو مؤشر يعكس اتساع الهوة بين الشباب والمؤسسات التمثيلية التقليدية.

غير أنَّ قراءة المشهد الشبابي الحالي لا يمكن أن تتم بمنطق العزوف فقط، لأن ما يحدث في الواقع هو انتقال تدريجي من المشاركة المؤسساتية إلى أشكال جديدة من الفعل السياسي. فقد أصبح جيل زد، الذي نشأ في بيئة رقمية مفتوحة، يعتمد بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات للتأثير وصناعة الرأي العام. هذا الجيل لا يرى السياسة فقط في صناديق الاقتراع أو في الانتماء الحزبي، بل يمارسها عبر الحملات الرقمية، والمبادرات المدنية، والاحتجاجات الافتراضية، والتعبئة حول قضايا الهوية والعدالة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية.

كما أن السنوات الأخيرة شهدت بروز موجات احتجاجية شبابية ذات طابع موضوعاتي، مرتبطة بقضايا التشغيل والتعليم والصحة والحريات الفردية، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة المطالب السياسية، حيث أصبح الشباب يفضل التعبير عن مطالبه عبر قنوات مباشرة وأكثر استقلالية عن الأحزاب. وقد ساهمت الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب، التي بلغت حسب تقارير رسمية حوالي 32 بالمئة سنة 2024 في الوسط الحضري، في تعزيز هذا التوجه نحو البحث عن أشكال جديدة للمطالبة بالحقوق خارج المؤسسات التقليدية.

وفي سياق الاستعداد لانتخابات 2026، يبرز نقاش متجدد حول فعالية الآليات التي اعتمدت سابقًا لضمان تمثيلية الشباب داخل المؤسسات المنتخبة. فقد أظهرت التجربة أن بعض الصيغ التي كانت تهدف إلى إدماج الشباب لم تحقق دائمًا الأثر المنتظر، ليس بسبب ضعف الآلية في حد ذاتها، بل نتيجة اختلالات مرتبطة بالحكامة الحزبية وغياب معايير الاستحقاق والكفاءة في اختيار المرشحين. كما أن العديد من التنظيمات الحزبية لا تزال تعاني من شيخوخة النخب القيادية وضعف التداول الداخلي، وهو ما يحد من فرص صعود قيادات شبابية قادرة على استيعاب تحولات المجتمع.

في المقابل، يفرض الواقع السياسي الجديد التفكير في صيغ مبتكرة لإعادة بناء الثقة بين الشباب والعمل السياسي، من خلال تحديث الخطاب الحزبي، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وتبني آليات رقمية للتواصل مع الناخبين الشباب، إضافة إلى تشجيع المبادرات الشبابية المستقلة التي قد تشكل جسرًا بين المجتمع والمؤسسات. كما أن إدماج الشباب في صياغة السياسات العمومية، وليس فقط في تنفيذها، أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الإصلاحات وتعزيز الشرعية الديمقراطية.

ويبدو أن التحدي الحقيقي أمام الفاعل السياسي اليوم لا يكمن فقط في استقطاب الشباب خلال الحملات الانتخابية، بل في القدرة على فهم تحولات وعيهم السياسي الذي أصبح أكثر نقدية واستقلالية وأقل قابلية للانضباط داخل البنيات التنظيمية التقليدية. فجيل زد لا يبحث عن تمثيلية رمزية، بل عن مشاركة فعلية في صناعة القرار، وهو ما يفرض مراجعة شاملة لمنطق التأطير السياسي وأساليبه.

إن انتخابات 2026 قد تشكل لحظة اختبار حقيقية لقدرة المنظومة السياسية المغربية على التكيف مع التحولات الاجتماعية والتكنولوجية التي يقودها الشباب. فإذا نجحت الأحزاب والمؤسسات في استيعاب هذا الجيل ومنحه فضاءات حقيقية للمشاركة، فقد يشكل ذلك بداية لمرحلة جديدة من الدينامية الديمقراطية. أما إذا استمرت الفجوة بين الخطاب السياسي وانتظارات الشباب، فقد يتجه هذا الجيل إلى تعميق أنماط المشاركة البديلة التي قد تعيد رسم حدود الفعل السياسي خارج الإطار المؤسساتي التقليدي.

وفي ظل هذه التحولات، يظل السؤال المركزي حول ما إذا كانت النخب السياسية قادرة على مواكبة زمن سياسي جديد يصنعه شباب يرفض الوصاية ويبحث عن تمثيل يعكس تطلعاته الحقيقية، أم أن انتخابات 2026 ستكرس من جديد مفارقة اتساع الحضور الديمغرافي للشباب مقابل محدودية حضورهم داخل مراكز القرار السياسي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي